العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩ - الحجاج و سليك ابن سلكة
طلحة و صاحب حرس هشام، حتى قعدا بين يديه، فقال: إن أمير المؤمنين جرّاني [١]
في خصومة بينه و بين إبراهيم. فقال القاضي: شاهديك على الجراية. قال أ تراني قلت على أمير المؤمنين ما لم يقل، و ليس بيني و بينه إلا هذه السّترة؟قال: بلى، و لكنه لا يثبت الحق لك و لا عليك إلا ببينة. قال: فقام الحرسيّ فدخل إلى هشام فأخبره، فلم نلبث أن قعقعت الأبواب [٢] و خرج الحرسي فقال: هذا أمير المؤمنين. و خرج هشام، فلما نظر إليه القاضي قام، فأشار إليه و بسط له مصلى، فقعد عليه و إبراهيم بين يديه، و كنا حيث نسمع بعض كلامهم و يخفى عنّا بعضه. قال: فتكلما و أحضرا البيّنة.
فقضى القاضي على هشام. فتكلم إبراهيم بكلمة فيها بعض الخرق [٣] ، فقال: الحمد للّه الذي أبان للناس ظلمك. فقال له هشام: لقد هممت أن أضربك ضربة ينتثر منها لحمك عن عظمك. قال: أما و اللّه لئن فعلت لتفعلنه بشيخ كبير السن قريب القرابة واجب الحق. فقال هشام: استرها عليّ!قال: لا ستر اللّه عليّ إذا ذنبي يوم القيامة إن سترتها. قال: فإني معطيك عليها مائة ألف. قال إبراهيم: فسترتها عليه حياته ثمنا لما أخذت منه، و أذعتها بعد مماته تزيينا له.
الحجاج و سليك ابن سلكة
قال: و ورد على الحجاج بن يوسف سليك بن سلكة [٤] فقال: أصلح اللّه الأمير، أرعني سمعك [٥] ، و اغضض عني بصرك، و اكفف عني غربك [٦] ؛ فإن سمعت خطأ أو زلال دونك و العقوبة. قال: قل. فقال: عصى عاص من عرض العشيرة؛ فخلّق على اسمي [٧] و هدم منزلي، و حرمت عطائي. قال: هيهات!أ و ما سمعت قول الشاعر:
[١] جرّاني: وكلّني، و الجراية: الوكالة.
[٢] قعقعت: أحدثت أصواتا.
[٣] الخرق: الجهل و الطيش.
[٤] لعله فرعون بن عبد الرحمن المعروف بابن سلكه الذي عاصر الحجاج، إذ أنّ سليك بن سلكه قتل في الجاهلية.
[٥] أرعني سمعك: أي استمع مقولتي بصبر و أناة.
[٦] الغرب: حدّ السيف.
[٧] حلّق على اسمي: أي ضرب عليه بحلقة من المداد لمنع العطاء عنه.