العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٤٦ - و أبو سفيان في مال و أدهم
فكتب إليه عمر: أما بعد، فإني و اللّه ما أنا من أساطيرك التي تسطر و نسقك الكلام في غير مرجع، و ما يغني عنك أن تزكّي نفسك. و قد بعثت إليك محمد بن مسلمة فشاطره مالك؛ فإنكم أيها الرّهط الأمراء جلستم على عيران المال، لم يعوزكم عذر، تجمعون لأبنائكم، و تمهّدون لأنفسكم. أما إنكم تجمعون العار و تورّثون النار.
و السلام.
فلما قدم عليه محمد بن مسلمة صنع له عمرو طعاما كثيرا. فأبى محمد بن مسلمة أن يأكل منه شيئا. فقال له عمرو: أ تحرّمون طعامنا؟فقال: لو قدّمت إليّ طعام الضيف أكلته، و لكنك قدّمت إليّ طعاما هو تقدمة شر. و اللّه لا أشرب عندك ماء. فاكتب لي كل شيء هو لك و لا تكتمه. فشاطره ماله بأجمعه، حتى بقيت نعلاه، فأخذ إحداهما و ترك الأخرى!فغضب عمرو بن العاص فقال: يا محمد بن مسلمة، قبح اللّه زمانا عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب فيه عامل. و اللّه إني لأعرف الخطاب يحمل فوق رأسه حزمة من الحطب و على ابنه مثلها، و ما منهما إلا في نمرة [١] لا تبلغ رسغيه؛ و اللّه ما كان العاص بن وائل يرضى أن يلبس الديباج مزوّرا [٢] بالذهب.
قال له محمد: اسكت، و اللّه إن عمر لخير منك، و أما أبوك و أبوه ففي النار، و اللّه لو لا الزمان الذي سبقك به لألفيت مقتعد شاة يسرك غزرها [٣] و يسوؤك بكؤها [٤] .
فقال عمرو: هي عندك بأمانة اللّه. فلم يخبر بها عمر.
و أبو سفيان في مال و أدهم
و من حديث زيد بن أسلم عن أبيه قال: بعث معاوية إلى عمر بن الخطاب و هو على الشام بمال و أدهم، و كتب إلى أبيه أبي سفيان أن يدفع ذلك إلى عمر-يعني بالأدهم القيد-و كتب إلى عمر يقول: إني وجدت في حصون الروم جماعة من أسارى
[١] النمرة: بردة من صوف تلبسها الأعراب.
[٢] مزوّرا: مزينا.
[٣] غزرها: درّها.
[٤] بكؤها: قلة لبنها.