العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٣٢ - بين ابن زياد و ابن زرعة
دخل على ابن زياد عنّفه في ذلك و قال: ويلك!أ تمضي في ألفين و تنهزم عن أربعين؟ فخرج عنه و هو يقول: لأن يذمّني ابن زياد حيّا خير من أن يمدحني و أنا ميت-و في رواية أخرى: أن يشتمني الأمير و أنا حيّ أحبّ إليّ من أن يدعو لي و أنا ميت. فقال شاعر الخوارج.
أ ألفا مؤمن فيما زعمتم # و يهزمهم بآسك أربعونا
كذبتم، ليس ذلكم كذاكم # و لكنّ الخوارج مؤمنونا
هم الفئة القليلة قد علمتم # على الفئة الكثيرة ينصرونا
و مثل ذلك قول عبد اللّه بن مطيع بن الأسود العدوي، و كان فرّ يوم الحرّة من جيش مسلم بن عقبة، فلما كان أيام حصار الحجاج بمكة لعبد اللّه بن الزّبير جعل يقاتل أهل الشام و يقول:
أنا الذي فررت يوم الحرّه # و الشيخ لا يفر إلا مرّه
فاليوم أجزي فرّة بكرّه # لا بأس بالكرّة بعد الفرّه
فلم يزل يقاتل حتى قتل.
و أحسن ما قيل في الفرار كله ما قاله قيس بن الحطيم:
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا # صدود الخدود و ازورار المناكب
أجالدهم يوم الحديقة حاسرا # كأنّ يدي بالسيف مخراق لاعب [١]
و فرّ عتيبة بن الحارث بن هشام يوم ثبرة عن ابنه حزرة و قال:
يا حسرتي لقد لقيت حسره # يا لتميم غشيتني عبره
نعم الفتى غادرته بثبره # نجّيت نفسي و تركت حزرة
هل يترك الحرّ الكريم بكره [٢]
[١] الحديقة: قرية من أعراض المدينة في طريق مكة، كانت وقعة بين الأوس و الخزرج قبل الاسلام.
و المخراق: منديل أو نحوه يلوى فيضرب به أو يلف فيفزع به.
[٢] البكر: أوّل الصبية.