العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩٦ - وفود النخع على النبي صلى اللّه عليه و سلم
فكتب إليهم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: هذا كتاب من محمد رسول اللّه إلى مخلاف خارف، و أهل جناب الهضب، و جفاف الرمل، مع وفدها ذي المشعار مالك بن نمط و من أسلم من قومه، أن لهم فراعها و وهاطها و عزازها، ما أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة، يأكلون علافها، و يرعون عفاها، لنا من دفئهم و صرامهم ما سلموا بالميثاق و الأمانة، و لهم من الصدقة الثّلب [١] و الناب و الفصيل و الفارض الداجن و الكبش الحوري؛ و عليهم الصّالغ [٢] و القارح.
وفود النخع على النبي صلى اللّه عليه و سلم
قدم أبو عمرو النّخعي على النبي صلّى اللّه عليه و سلّم فقال: يا رسول اللّه، إني رأيت في طريقي هذه رؤيا، رأيت أتانا تركتها في الحيّ ولدت جديا أسفع أحوى [٣] . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: هل لك من أمة تركتها مصرّة [٤] حملا؟قال: نعم، تركت أمة لي أظنها قد حملت؟قال: فقد ولدت غلاما و هو ابنك. قال: فما باله أسفع أحوى؟قال:
ادن منّي. فدنا منه؛ فقال: هل بك برص تكتمه؟قال نعم، و الذي بعثك بالحق ما رآه مخلوق و لا علم به. قال: فهو ذلك. قال: و رأيت النّعمان بن المنذر عليه قرطان و دملجان و مسكتان. قال: ذلك ملك العرب عاد إلى أفضل زيّه و بهجته. قال:
و رأيت عجوزا شمطاء تخرج من الأرض قال: تلك بقيّة الدنيا. قال: و رأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني و بين ابن لي يقال له عمرو، و رأيتها تقول: لظى لظى!بصير و أعمى!أطعموني!آكلكم آكلكم!أهلككم و مالكم. فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم:
تلك فتنة في آخر الزمان. قال: و ما الفتنة يا رسول اللّه؟قال: يقتل الناس إمامهم ثم
[١] الثلب: الجمل تكسّرت أسنانه.
[٢] الصالغ: من الشياه: كالقارح من الخيل، و هي التي دخلت في الخامسة أو السادسة.
[٣] الأسفع: الأسود المشرب بالحمرة، و الأحوى: الأحمر إلى سواد.
[٤] مصرّة حملا: أي ذات حمل محقق.