العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٣ - وفود جبلة بن الأيهم على عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه
كل، فقبضت يدي. و قلت: إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم نهى عن الأكل في آنية الذهب و الفضة. فقال نعم صلّى اللّه عليه و سلّم، و لكن نقّ قلبك و كل فيما أحببت. قال: فأكل في الذهب و الفضة و أكلت في الخليج [١] ؛ فلما رفع الطعام جيء بطساس الفضة و أباريق الذهب، و أومأ إلى خادم بين يديه، فمرّ مسرعا، فسمعت حسّا، فالتفتّ، فإذا خدم معهنّ الكراسي مرصّعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن يمينه و عشرة عن يساره، ثم سمعت حسّا، فإذا عشر جوار قد أقبلن مطمومات الشعر [٢] متكسرات في الحلى عليهن ثياب الديباج، فلم أر وجوها قط أحسن منهن، فأقعدهنّ على الكراسيّ عن يمينه؛ ثم سمعت حسّا، فإذا عشر جوار أخرى، فأجلسهن على الكراسيّ عن يساره؛ ثم سمعت حسّا، فإذا جارية كأنها الشمس حسنا؛ و على رأسها تاج، على ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، و في يدها اليمنى جام [٣] فيها مسك و عنبر، و في يدها اليسرى جامة فيها ماء ورد، فأومأت إلى الطائر أو قال: فصفرت بالطائر، فوقع في جام ماء الورد فاضطرب فيه، ثم أومأت إليه أو قال: فصفرت به، فطار حتى نزل على صليب في تاج جبلة؛ فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه عليه. و ضحك جبلة من شدّة السرور حتى بدت أنيابه؛ ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه، فقال: باللّه أطربنني؛ فاندفعن يتغنين يخفقن بعيدانهن و يقلن:
للّه درّ عصابة نادمتهم # يوما بجلّق في الزمان الأوّل
يسقون من ورد البريص عليهم # بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل [٤]
أولاد جفنة حول قبر أبيهم # قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم # لا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه أعفّة أحسابهم # شمّ الأنوف من الطّراز الأوّل
قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: أ تدري من قائل هذا؟قلت: لا. قال:
[١] الخليج: الجفنة.
[٢] مطموحات الشعر: ذوات خصل و أجزاء.
[٣] الجام: إناء من فضة.
[٤] البريص: نهر بدمشق، و كذلك بردى. و الرحيق: الحمر، و السلسل: اللين.