العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٦ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
اعتدلت بك و بهم الحال، و ساويتهم في ميدان الخطاب. فما أرب المهدي أن يعمد إلى طائفة من رعيته: مقرّين بمملكته، مذعنين لطاعته، لا يخرجون أنفسهم عن قدرته، و لا يبرءونها من عبوديّته، فيملّكهم أنفسهم، و يخلع نفسه عنهم، و يقف على الجدل معهم، ثم يجازيهم السوء في جد المقارعة، و مضمار المخاطرة؟أ يريد المهدي-وفقه اللّه-الأموال؟فلعمري لا ينالها و لا يظفر بها إلا بإنفاق أكثر مما يطلب منهم، و أضعاف ما يدّعي قبلهم؛ و لو نالها فحملت إليه، أو وضعت بخرائطها بين يديه، ثم تجافى لهم عنها، و طال عليهم بها، لكان مما إليه ينسب و به يعرف، من الجود الذي طبعه اللّه عليه، و جعل قرّة عينه و نهمة نفسه فيه. فإن قال المهدي: هذا رأي مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمّالنا و تحامل ولاتنا، فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود، و أنطقوا لسان الإرجاف [١] ، و فتحوا باب المعصية، و كسروا قيد الفتنة؛ فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نكالا لغيرهم؛ و عظة لسواهم. فيعلم المهدي أنه لو أتى بهم مغلولين في الحديد، مقرّنين في الأصفاد، ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه، و لإقالة عثرتهم صفحه، و استبقاهم لما هم فيه من حربه، أو لمن بإزائهم من عدوّه، لما كان بدعا من رأيه، و لا مستنكرا من نظره. لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء و الملوك عفوا، و أشدّها وقعا، و أصدقها صولة، و أنه لا يتعاظمه عفو، و لا يتكاءده [٢] صفح، و إن عظم الذنب و جلّ الخطب. فالرأي للمهدي-وفقه اللّه تعالى -أن يحل عقدة الغيظ بالرجاء لحسن ثواب اللّه في العفو عنهم، و أن يذكر أولى حالاتهم وضيعة عيالاتهم، برّا بهم، و توسّعا لهم، فإنهم إخوان دولته، و أركان دعوته، و أساس حقه، الذين بعزتهم يصول، و بحجتهم يقول. و إنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مساخطه، و تعرّضوا له من معاصيه، و انطووا فيه عن إجابته؛ و مثله في قلة ما غيّر ذلك من رأيه فيهم، أو نقل من حاله لهم، أو تغيّر من نعمته بهم-كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازرين، أصاب أحدهما خبل عارض [٣] ، و لهو حادث، فنهض
[١] الإرجاف: الخوض في أخبار الفتن لإيقاع الاضطراب في الناس.
[٢] يتكاءده: يشق عليه.
[٣] الخبل العارض: الفساد في الرأي و العقل.