العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٣١ - بين ابن زياد و ابن زرعة
و لقد أجمع رجليّ بها # حذر الموت و إنّي لفرور
و لقد أعطفها كارهة # حين للنفس من الموت هرير [١]
كلّ ما ذلك منّي خلق # و بكلّ أنا في الرّوع جدير
و ابن صبح سادرا يودعني # ماله في الناس ما عثت مجير [٢]
و قال الحارث لامرأته، و ذلك أنها نظرت إليه و هو يحدّ حربة يوم فتح مكة فقالت له: ما تصنع بهذه؟قال: أعددتها لمحمد و أصحابه. فقالت: ما أرى يقوم لمحمد و أصحابه شيء. قال: و اللّه إني لأرجو أن أخدمك بعضهم!ثم أنشأ يقول:
إن يقبلوا اليوم فما بي علّه # هذا سلاح كامل و ألّه [٣]
و ذو غرارين سريع السّله
فلما لقيهم خالد يوم الخندمة [٤] انهزم الرجل، فلامته امرأته، فقال:
إنك لو شاهدت يوم الخندمة # إذ فرّ صفوان و فرّ عكرمه
و أبو يزيد قائم كالموتمه # و لحقتنا بالسيوف المسلمة [٥]
يفلقن كلّ ساعد و جمجمه # ضربا فلا تسمع إلاّ غمغمه [٦]
لهم نهيت خلفنا و همهمه # لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه [٧]
بين ابن زياد و ابن زرعة
و كان أسلم بن زرعة وجّهه عبيد اللّه بن زياد لحرب أبي بلال الخارجي في ألفين، و أبو بلال في أربعين رجلا: فشدّوا عليه شدّة رجل واحد فانهزم هو و أصحابه، فلما
[١] الهرير: الصياح.
[٢] سادرا: أي لا يبالي ما فعل.
[٣] الألّة: الحربة لها سنان طويل و الغرار: الحدّ.
[٤] الخندمة: جبل دخل منه النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يوم فتح مكّة.
[٥] أبو يزيد: هو سهيل بن عمرو خطيب قريش و الموتمة: المرأة مات زوجها و ترك لها أيتاما.
[٦] الغمغمة: أصوات غير واضحة.
[٧] النهيت: الزئير و الزحير.