العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٨ - الحكم على هشام في خصومة بينه و بين إبراهيم بن محمد
تقدم إليه-و قد همّ بالقيام-امرأة عليها هيئة السفر، و عليها ثياب رثة، فوقفت بين يديه فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، فنظر المأمون إلى يحيى ابن أكثم، فقال لها يحيى: و عليك السلام يا أمة اللّه، تكلمي في حاجتك. فقالت:
يا خير منتصف يهدى له الرّشد # و يا إماما به قد أشرق البلد
تشكو إليك عميد القوم أرملة # عدّي عليها فلم يترك لها سبد [١]
و ابتزّ منّي ضياعي بعد منعتها # ظلما و فرّق مني الأهل و الولد [٢]
فأطرق المأمون حينا، ثم رفع رأسه إليها و هو يقول:
في دون ما قلت زال الصّبر و الجلد # عني و أقرح منّي القلب و الكبد [٣]
هذا أذان صلاة العصر فانصر في # و أحضري الخصم في اليوم الّذي أعد
و المجلس السّبت إن يقض الجلوس لنا # ننصفك منه و إلاّ المجلس الأحد
قال: فلما كان يوم الأحد جلس، فكان أول من تقدّم إليه تلك المرأة، فقالت:
السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته. فقال: و عليك السلام، أين الخصم؟ فقالت: الواقف على رأسك يا أمير المؤمنين. و أومأت إلى العباس ابنه. فقال: يا أحمد بن أبي خالد، خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم. فجعل كلامها يعلو كلام العباس، فقال لها أحمد بن أبي خالد: يا أمة اللّه، إنك بين يدي أمير المؤمنين، و إنك تكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك. فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإن الحق أنطقها و أخرسه. ثم قضى لها برد ضيعتها إليها، و ظلم العباس بظلمه لها، و أمر بالكتاب لها إلى العامل الذي ببلدها أن يوغر لها ضيعتها [٤] و يحسن معاونتها، و أمر لها بنفقة.
الحكم على هشام في خصومة بينه و بين إبراهيم بن محمد
العتبي قال: إني لقاعد عند قاضي هشام بن عبد الملك إذ أقبل إبراهيم بن محمد ابن
[١] السبد: الشعر، و يكنى به عن الابل.
[٢] ابتز: سلب ظلما.
[٣] أقرحه: أغمّه.
[٤] يوغر لها ضيعتها: يسقط عنها الخراج.