العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٢ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
و يد ممثّلة لعينك، و صخرة لا تزعزع، و بهمة لا ينثني [١] ، و بازل لا يفزعه صوت الجلجل [٢] ، نقيّ العرض، نزيه النفس، جليل الخطر، قد اتضعت الدنيا عن قدره، و سما نحو الآخرة بهمّته، فجعل الغرض الأقصى لعينه نصبا، و الغرض الأدنى لقدمه موطئا، فليس يغفل عملا، و لا يتعدّى أملا و هو رأس مواليك، و أنصح بني أبيك رجل قد غذّي بلطيف كرامتك، و نبت في ظل دولتك و نشأ على قويم أدبك؛ فإن قلدته أمرهم، و حمّلته ثقلهم، و أسندت إليه ثغرهم: كان قفلا فتحه أمرك، و بابا أغلقه نهيك، فجعل العدل عليه و عليهم أميرا، و الإنصاف بينه و بينهم حاكما. و إذا حكم النصفة و سلك المعدلة فأعطاهم مالهم و أخذ منهم ما عليهم، غرس لك في الذي بين صدورهم، و أسكن لك في السّويداء داخل قلوبهم طاعة راسخة العروق، باسقة الفروع، متمثّلة في حواشي عوامّهم، متمكّنة من قلوب خواصهم، فلا يبقى فيهم ريب إلا نفوه، و لا يلزمهم حق إلا أدّوه، و هذا أحدهما .
و الآخر عود من غيضتك، و نبعة [٣] من أرومتك، فتيّ السنّ، كهل الحلم، راجح العقل، محمود الصّرامة، مأمون الخلاف، يجرّد فيهم سيفه، و يبسط عليهم خيره بقدر ما يستحقون، و على حسب ما يستوجبون، و هو فلان أيها المهدي، فسلّطه-أعزك اللّه-عليهم، و وجّهه بالجيوش إليهم، و لا تمنعك ضراعة سنّه [٤] و حداثة مولده؛ فإن الحلم و الثقة مع الحداثة خير من الشك و الجهل مع الكهولة؛ و إنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم اللّه عليه و اختصّكم به من مكارم الأخلاق، و محامد الفعال، و محاسن الأمور، و صواب التدبير، و صرامة الأنفس، كفراخ عتاق الطير [٥] المحكمة لأخذ الصيد بلا تدريب، و العارفة لوجوه النفع بلا تأديب؛ فالحلم و العلم و العزم و الحزم
[١] البهمة: الصخرة الصلبة.
[٢] البازل: الجمل في السنة التاسعة و يطلق على الرجل الكامل في تجربته. و الجلجل: واحدة الجلاجل تعلّق على الدابة.
[٣] نبعة من أرومتك: أصل من أصولك.
[٤] ضراعة سنّه: حداثته و شبابه.
[٥] عتاق الطير: كرامها.