العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٣ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
و الجود و التؤدة و الرفق ثابت في صدوركم، مزروع في قلوبكم، مستحكم لكم، متكامل عندكم، بطبائع لازمة، و غرائز ثابتة.
قال معاوية بن عبد اللّه: أفتاء [١] أهل بيتك أيها المهدي في الحلم على ما ذكر، و أهل خراسان في حال عزّ على ما وصف. و لكن إن ولّى المهديّ عليهم رجلا ليس بقديم الذّكر في الجنود، و لا بنبيه الصوت في الحروب، و لا بطويل التجربة للأمور، و لا بمعروف السياسة للجيوش و الهيبة في الأعداء، دخل من ذلك أمران عظيمان، و خطران مهولان: أحدهما أن الأعداء يغتمزونها منه، و يحتقرونها فيه، و يجترءون بها عليه في النّهوض به و المقارعة له و الخلاف عليه، قبل الاختبار لأمره، و التكشّف لحاله، و العلم بطباعه. و الأمر الآخر أن الجنود التي يقول، و الجيوش التي يسوس، إذا لم يختبروا منه البأس و النجدة، و لم يعرفوه بالصّوت و الهيبة؛ انكسرت شجاعتهم، و ماتت نجدتهم، و استأخرت طاعتهم إلى حين اختبارهم و وقوع معرفتهم. و ربما وقع البوار قبل الاختبار. و بباب المهدي-وفقه اللّه-رجل مهيب نبيه حيك صيّت [٢] ، له نسب زاك و صوت عال، قد قاد الجيوش، و ساس الحروب، و تألف أهل خراسان و اجتمعوا عليه بالمقة [٣] ، و وثقوا به كل الثّقة، فلو ولاّه المهدي أمرهم لكفاه اللّه شرهم.
قال المهدي: جانبت قصد الرّميّة، و أبيت إلا عصبية، إذ رأي الحدث من أهل بيتنا كرأي عشرة حلماء من غيرنا، و لكن أين تركتم ولي العهد؟ قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جدّه، و نسيج وحده، و من الدين و أهله بحيث يقصر القول عن أدنى فضله، و لكن وجدنا اللّه عز و جل قد حجب عن خلقه، و ستر من دون عباده، علم ما تختلف به الأيام، و معرفة ما تجري به المقادير، من حوادث الأمور و ريب المنون، المخترمة لخوالي القرون و مواضي الملوك؛ فكرهنا
[١] أفتاء: جمع فتي.
[٢] صيّت: معروف و مشهور.
[٣] المقة: المحبّة.