العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩١ - وفود قريش على سيف بن ذي يزن بعد قتله الحبشة
الملك أحلّك محلا رفيعا صعبا منيعا، باذخا [١] شامخا؛ و أنبتك منبتا طابت أرومته، و عزّت جرثومته [٢] ، و نبل أصله، و بسق فرعه، في أكرم معدن، و أطيب موطن؛ فأنت أبيت اللّعن رأس العرب، و ربيعها الذي به تخصب، و ملكها الذي به تنقاد، و عمودها الذي عليه العماد، و معقلها الذي إليه يلجأ العباد، سلفك خير سلف، و أنت لنا بعدهم خير خلف، و لن يهلك من أنت خلفه، و لن يخمل من أنت سلفه. نحن أيها الملك أهل حرم اللّه و ذمّته و سدنة [٣] بيته، أشخصنا إليك الذي أنهجك لكشف الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفود المرزئة.
قال: من أنت أيها المتكلم.
قال: أنا عبد المطلب بن هاشم.
قال: ابن أختنا؟قال: نعم. فأدناه و قرّبه؛ ثم أقبل عليه و على القوم و قال: مرحبا و أهلا، و ناقة و رحلا، و مستناخا سهلا، و ملكا ربحلا [٤] ، يعطي عطاء جزلا.
فذهبت مثلا.
و كان أول ما تكلم به قد سمع الملك مقالتكم، و عرف قرابتكم، و قبل وسيلتكم فأهل الشرف و النباهة أنتم، و لكم القربى ما أقمتم، و الحباء إذا ظعنتم.
قال: ثم استنهضوا إلى دار الضيافة و الوفود، و أجريت عليهم الأنزال. فأقاموا ببابه شهرا لا يصلون إليه و لا يأذن لهم في الانصراف. ثم انتبه إليهم انتباهة، فدعا بعبد المطلب من بينهم، فخلا به و أدنى مجلسه، و قال: يا عبد المطلب، إني مفوّض إليك من سرّ علمي أمرا غيرك كان لم أبح له به، و لكنّني رأيتك موضعه فأطلعتك عليه؛ فليكن مصونا حتى يأذن اللّه فيه؛ فإنّ اللّه بالغ أمره: إني أجد في العلم المخزون؛ و الكتاب المكنون الذي ادخرناه لأنفسنا، و احتجبناه دون غيرنا، خبرا
[١] الباذخ: الرفيع.
[٢] الجرثومة: الأصل.
[٣] السدنة: الحفظة و الخدم.
[٤] الربحل: العظيم.