العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦
التثقيل و التّطويل؛ لأنها أخبار ممتعة و حكم و نوادر، لا ينفعها الإسناد باتّصاله، و لا يضرّها ما حذف منها.
و قد كان بعضهم يحذف أسانيد الحديث من سنّة متّبعة، و شريعة مفروضة؛ فكيف لا نحذفه من نادرة شاردة، و مثل سائر، و خبر مستطرف، [و حديث يذهب نوره إذا طال و كثر].
سأل حفص بن غياث الأعمش عن إسناد حديث. فأخذ بحلقه و أسنده إلى حائط و قال: هذا إسناده! و حدّث ابن السّمّاك بحديث، فقيل له: ما إسناده؟فقال: هو من المرسلات عرفا [١] .
[و روى الأصمعيّ خبرا، فسئل عن إسناده. فقال: هو من الآيات المحكمات التي لا تحتاج إلى دليل و حجّة].
و حدّث الحسن البصريّ بحديث، فقيل له: يا أبا سعيد، عمّن؟قال: و ما تصنع بعمّن يا بن أخي؟أمّا أنت فنالتك موعظته، و قامت عليك حجّته.
و قد نظرت في بعض الكتب الموضوعة فوجدتها غير متصرّفة في فنون الأخبار، و لا جامعة لجمل الآثار؛ فجعلت هذا الكتاب كافيا[شافيا]جامعا لأكثر المعاني التي تجري على أفواه العامّة و الخاصّة. و تدور على ألسنة الملوك و السّوقة. و حلّيت كلّ كتاب منها بشواهد من الشّعر، تجانس الاخبار في معانيها، و توافقها في مذاهبها؛ و قرنت بها غرائب من شعري، ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته [٢] ، و بلدنا على انقطاعه، حظّا من المنظوم و المنثور.
[١] المرسلات عرفا: قيل الرياح المرسلات، و عرفا: يتبع بعضها بعضا.
[٢] قاصيته: بعده.