العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧١ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
قال صالح: لسنا نبلغ أيها المهدي بدوام البحث و طول الفكر أدنى فراسة رأيك، و بعض لحظات نظرك؛ و ليس ينفضّ عنك من بيوتات العرب و رجالات العجم، ذو دين فاضل و رأي كامل، و تدبير قويّ، تقلده حربك، و تستودعه جندك، ممن يحتمل الأمانة العظيمة، و يضطلع بالأعباء الثقيلة. و أنت بحمد اللّه ميمون النقيبة، مبارك العزيمة، مخبور التجارب، محمود العواقب، معصوم العزم؛ فليس يقع اختيارك و لا يقف نظرك على أحد تولّيه أمرك و تسند إليه ثغرك إلا أراك اللّه ما تحب، و جمع لك منه ما تريد.
قال المهدي: إني لأرجو ذلك. لقديم عادة اللّه فيه، و حسن معونته عليه. و لكن أحب الموافقة على الرأي، و الاعتبار للمشاورة في الأمر المهم.
قال محمد بن الليث: أهل خراسان-أيها المهدي-قوم ذو و عزة و منعة، و شياطين خدعة زرع الحمية فيهم نابتة، و ملابس الأنفة عليهم ظاهرة، فالرّويّة عنهم عازبة [١] ، و العجلة فيهم حاضرة، تسبق سيولهم مطرهم، و سيوفهم عذلهم، لأنهم بين سفلة لا يعدو مبلغ عقولهم منظر عيونهم، و بين رؤساء لا يلجمون إلا بشدّة و لا يفطمون إلا بالقهر؛ و إن ولّى المهدي عليهم وضيعا لم تنقد له العظماء، و إن ولّى أمرهم شريفا تحامل على الضعفاء. و إن أخّر المهديّ أمرهم و دافع حربهم حتى يصيب لنفسه من حشمه و مواليه، أو بني عمه أو بني أبيه، ناصحا يتفق عليه أمرهم، و ثقة تجتمع له أملاؤهم [٢] ، بلا أنفة تلزمهم، و لا حميّة تدخلهم، و لا عصبية تنفّرهم، تنفست الأيام بهم، و تراخت الحال بأمرهم، فدخل بذلك من الفساد الكبر و الضياع العظيم ما لا يتلافاه صاحب هذه الصفة و إن جدّ و لا يستصلحه و إن جهد، إلا بعد دهر طويل، و شر كبير. و ليس المهدي-وفقه اللّه-فاطما عاداتهم و لا قارعا صفاتهم [٣] بمثل أحد رجلين لا ثالث لهما، و لا عدل في ذلك بهما: أحدهما لسان ناطق موصول بسمعك،
[١] عازبة: مبتعدة و مفارقة و غائبة.
[٢] أملاؤهم: جماعاتهم، الواحد ملأ.
[٣] صفاتهم: صخورهم، و الصفاة: الصخرة الملساء.