العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٩ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
و إذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته و خالف جماعته، الخوف مفردا و الشرّ مجردا، ليس معهما طمع يكسرهم، و لا لين يثنيهم، امتدت الأمور بهم، و انقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين: إما أن تدخلهم الحميّة من الشدة، و الأنفة من الذلّة، و الامتعاض [١] من القهر، فيدعوهم ذلك إلى التمادي في الخلاف، و الاستبسال في القتال، و الاستسلام للموت؛ و إما أن ينقادوا بالكره، و يذعنوا بالقهر، على بغضة لازمة، و عداوة باقية، تورث النفاق، و تعقب الشقاق، فإذا أمكنتهم فرصة، أو ثابت لهم قدرة، أو قويت لهم حال، عاد أمرهم إلى أصعب و أغلظ و أشدّ مما كان.
و قال: في قول الفضل أيها المهدي، أكفى دليل، و أوضح برهان، و أبين خبر بان. قد اجتمع رأيه، و حزم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش، إليهم، و توجيه البعوث نحوهم، مع إعطائهم ما سألوا من الحق، و إجابتهم إلى ما سألوه من العدل.
قال المهدي: ذلك رأي.
قال هارون: خلطت الشدة أيها المهدي باللين، فصارت الشدة أمرّ فطام لما تكره، و عاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب؛ و لكن أرى غير ذلك.
قال المهدي: لقد قلت قولا بديعا، و خالفت به أهل بيتك جميعا، و المرء متّهم بما قال، و ظنين بما ادّعى، حتى يأتي ببينة عادلة، و حجة ظاهرة، فاخرج عما قلت.
قال هارون: أيها المهدي، إن الحرب خدعة، و الأعاجم قوم مكرة، و ربما اعتدلت الحال بهم، و اتفقت الأهواء منهم، فكان باطن ما يسرّون على ظاهر ما يعلنون؛ و ربما افترقت الحالان، و خالف القلب اللسان، فانطوى القلب على محجوبة تبطن، و استسرّ بمدخولة لا تعلن؛ و الطبيب الرفيق بطبّه، البصير بأمره، العالم بمقدّم يده، و موضع ميسمه [٢] ، لا يتعجل بالدواء حتى يقع على معرفة الداء؛ فالرأي للمهدي-وفقه اللّه-أن يفرّ [٣] باطن أمرهم فرّ المسنّة، و يمخض ظاهر حالهم
[١] الامتعاض: الشعور بالكره و الألم.
[٢] الميسم: المكواة.
[٣] يفرّ: يختبر.