العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٥ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
يستميل القلوب، و يسترقّ العقول، و يسبي الآراء، و يستميل الأهواء، و يستدعي المواتاة [١] -أنفذ من القتال بظبات السيوف و أسنة الرماح: كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيّته بالحيل، و يفرّق كلمة عدوه بالمكايدة، أحكم عملا و ألطف نظرا و أحسن سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال، و الإتلاف للأموال، و التغرير و الخطار.
و ليعلم المهدي-وفقه اللّه-أنه إن وجه لقتالهم رجلا، لم يسر لقتالهم إلا بجنود كثيفة تخرج على حال شديدة، و تقدم على أسفار ضيقة، و أهوال متفرّقة، و قواد غششة [٢] ، إن ائتمنهم استنفدوا ماله، و إن استنصحهم كانوا عليه لا له.
قال المهدي: هذا رأي قد أسفر نوره، و برق ضوؤه، و تمثل صوابه للعيون، و تجسد حقه في القلوب، و لكن فوق كلّ ذي علم عليم.
ثم نظر إلى ابنه عليّ فقال: ما تقول؟ قال علي: أيها المهدي، إن أهل خراسان لم يخلعوا من طاعتك يدا، و لم ينصبوا من دونك أحدا يكدح في تغيير ملكك، و يربّض [٣] الأمور لفساد دولتك؛ و لو فعلوا لكان الخطب أيسر، و الشأن أصغر، و الحال أدل؛ لأن اللّه مع حقه الذي لا يخذله، و عند موعده الذي لا يخلفه: و لكنهم قوم من رعيتك، و طائفة من شيعتك، الذين جعلك اللّه عليهم واليا، و جعل العدل بينك و بينهم حاكما، طلبوا حقا، و سألوا إنصافا؛ فإن أجبت إلى دعوتهم، و نفست عنهم قبل أن تتلاحم منهم حال، أو يحدث من عندهم فتق، أطعت أمر الرب، و أطفأت نائرة الحرب [٤] ، و وفّرت خزائن المال، و طرحت تغرير [٥] القتال؛ و حمل الناس محمل ذلك على طبيعة جودك و سجيّة حلمك، و إسجاح خليقتك [٦] ، و معدلة نظرك؛ فأمنت أن تنسب إلى ضعفة، و أن يكون ذلك لهم فيما بقي دربة. و إن منعتهم ما طلبوا، و لم تجبهم إلى ما سألوا،
[١] المواتاة: الموافقة.
[٢] قوّاد غششة: أي لا أمانة لهم.
[٣] يربّض: يثبّت.
[٤] نائرة الحرب: أي المتقد منها.
[٥] تغرير القتال: هلاكه.
[٦] إسجاح خليقتك: حسنها و عفوها.