العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٤٥ - الوافدات على معاوية وفود سودة ابنة عمارة على معاوية
عما افترض عليك من حقّنا، و لا تزال تقدم علينا من ينهض بعزّك، و يبسط سلطانك، فيحصدنا حصاد السّنبل، و يدوسنا دياس البقر، و يسومنا الخسيسة، و يسألنا الجليلة؛ هذا ابن أرطاة قدم بلادي، و قتل رجالي، و أخذ مالي، و لو لا الطاعة لكان فينا عزّ و منعة، فإما عزلته فشكرناك، و إما لا فعرفناك! فقال معاوية: إياي تهدّدين بقومك؟و اللّه لقد هممت أن أردّك إليه على قتب [١]
أشرس فينفّذ حكمه فيك. فسكتت، ثم قالت:
صلّى الإله على روح تضمّنه # قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به ثمنا # فصار بالحقّ و الإيمان مقرونا
قال: و من ذلك؟قالت: عليّ بن أبي طالب رحمه اللّه تعالى. قال: ما أرى عليك منه أثرا!قالت: بلى، أتيته يوما في رجل ولاه صدقاتنا فكان بيننا و بينه ما بين الغثّ [٢] و السمين، فوجدته قائما يصلي، فانفتل من الصلاة ثم قال برأفة و تعطّف: أ لك حاجة؟فأخبرته خبر الرجل. فبكى، ثم رفع يديه إلى السماء فقال: اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك، و لا ترك حقّك. ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب فيه:
بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ* ... قَدْ جََاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَأَوْفُوا اَلْكَيْلَ وَ اَلْمِيزََانَ وَ لاََ تَبْخَسُوا اَلنََّاسَ أَشْيََاءَهُمْ ... وَ لاََ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، `بَقِيَّتُ اَللََّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ مََا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [٣] . إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك حتى يأتي من يقبضه منك. و السلام.
فعزله يا أمير المؤمنين. ما خزمه بخزام [٤] ، و لا ختمه بختام.
فقال معاوية: اكتبوا لها بالإنصاف لها و العدل عليها. فقالت: أ لي خاصّة أم لقومي عامة؟قال: و ما أنت و غيرك؟قالت: هي و اللّه إذا الفحشاء و اللؤم، إن لم
[١] القتب: الرحل الصغير على قدر سنام البعير.
[٢] الغثّ: الرديء الفاسد.
[٣] سورة هود الآية ٨٥.
[٤] خزمه: شكّه و ثقبه، أي أقفله.