العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١٧ - من عمر إلى ابن أبي وقاص
و اللّه الذي لا إله إلا هو، لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، و يرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا.
من عمر إلى ابن أبي وقاص
كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص-رضي اللّه عنهما-و من معه من الأجناد:
أما بعد؛ فإني آمرك و من معك من الأجناد بتقوى اللّه على كل حال؛ فإن تقوى اللّه أفضل العدّة على العدوّ، و أقوى المكيدة في الحرب، و آمرك و من معك أن تكونوا أشدّ احتراسا من المعاصي منكم من عدوّكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوّهم، و إنما ينصر المسلمون بمعصية عدوّهم للّه، و لو لا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، و لا عدّتنا كعدّتهم، فإذا استوينا [١] في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، و إلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا. و اعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من اللّه يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، و لا تعملوا بمعاصي اللّه و أنتم في سبيل اللّه؛ و لا تقولوا إن عدوّنا شر منا فلن يسلّط علينا و إن أسأنا؛ فربّ قوم سلّط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط اللّه كفّار المجوس فَجََاسُوا خِلاََلَ اَلدِّيََارِ وَ كََانَ وَعْداً مَفْعُولاً [٢] . و اسألوا اللّه العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوّكم. أسأل اللّه ذلك لنا و لكم. و ترفّق بالمسلمين في مسيرهم، و لا تجشّمهم مسيرا يتعبهم، و لا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوّهم و السفر لم ينقص قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس و الكراع [٣] . و أقم بمن معك في كل جمعة يوما و ليلة، حتى تكون لهم راحة يجمّون [٤] فيها أنفسهم، و يرمّون [٥] أسلحتهم و أمتعتهم. و نحّ منازلهم عن قرى أهل
[١] استوينا في المعصية: أي كنّا سواء.
[٢] سورة الإسراء الآية ٥.
[٣] الكراع: الخيل.
[٤] يجمّون فيها أنفسهم: أي يريحونها.
[٥] يرمون: يصلحون.