العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩٠ - وفود قريش على سيف بن ذي يزن بعد قتله الحبشة
فأتاه وفد قريش، فيهم: عبد المطلب بن هاشم، و أمية بن عبد شمس، و أسد بن عبد العزّى، و عبد اللّه بن جدعان، فقدموا عليه و هو في قصر له يقال له غمدان، و له يقول أبو الصلت، والد أمية ابن أبي الصلت:
لم يدرك الثأر أمثال ابن ذي يزن # لجّج في البحر للأعداء أحوالا [١]
أتى هرقل و قد شالت نعامته # فلم يجد عنده القول الذي قالا [٢]
ثم انثنى نحو كسرى بعد تاسعة # من السّنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم # إنك عمري لقد أسرعت إرقالا [٣]
من مثل كسرى و بهرام الجنود له # و مثل و هرز يوم الجيش إذ جالا
للّه درهم من عصبة خرجوا # ما إن رأينا لهم في الناس أمثالا
صيدا جحاجحة، بيضا خصارمة # أسدا تربّب في الغابات أشبالا [٤]
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد # غادرت أوجههم في الأرض أفلالا [٥]
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا # في رأس غمدان دارا منك محلالا
ثم اطل بالمسك إذ شالت نعامتهم # و أسبل اليوم في برديك إسبالا [٦]
تلك المكارم لا قعبان من لبن # شيبا بماء فعادا بعد أبوالا [٧]
فطلبوا الإذن عليه، فأذن لهم، فدخلوا، فوجدوه متضمّخا بالعنبر، يلمع و بيص المسك في مفرق رأسه، و عليه بردان أخضران قد ائتزر بأحدهما و ارتدى بالآخر، و سيفه بين يديه، و الملوك عن يمينه و شماله، و أبناء الملوك و المقاول.
فدنا عبد المطلب فاستأذنه في الكلام، فقال له: قل. فقال: إنّ اللّه تعالى أيها
[١] لجّج: خاض اللّجة.
[٢] شالت نعامته: غضب و أخذته الغرّة.
[٣] بنو الأحرار: الفرس، و الإرقال: الإسراع.
[٤] الصّيد: الملوك، و الجحاجحة: السادة و الخضارمة: الأكارم: و تربّب: أي تربّى من التربية.
[٥] أفلالا: منهزمين.
[٦] شالت نعامتهم: تفرّقوا او هلكوا.
[٧] القعبان: الأقداح يحلب فيها و شيبا: مزجا.