العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٤٠ - وفود نابغة بني جعدة على ابن الزبير رحمه اللّه تعالى
فقال: يا جرير، و اللّه لقد و ليت هذا الأمر و ما أملك إلا ثلاثمائة، فمائة أخذها عبد اللّه، و مائة أخذتها أمر عبد اللّه، يا غلام أعطه المائة الباقية.
فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين، إنها لأحبّ مال إليّ كسبته. ثم خرج، فقالوا له: ما وراءك؟قال ما يسوؤكم!خرجت من عند أمير يعطي الفقراء و يمنع. الشعراء، و إني عنه لراض. ثم أنشأ يقول:
رأيت رقى الشيطان لا تستفزّه # و قد كان شيطاني من الجنّ راقيا [١]
وفود نابغة بني جعدة على ابن الزبير رحمه اللّه تعالى
الزبير بن بكار قاضي الحرمين، قال: أقحمت السّنة نابغة بني جعدة، فوفد إلى ابن الزّبير، فدخل عليه في المسجد الحرام، ثم أنشده:
حكيت لنا الصّدّيق لمّا و ليتنا # و عثمان و الفاروق فارتاح معدم
و سوّيت بين الناس في الحقّ فاستووا # فعاد صباحا حالك اللّون مظلم
أتاك أبو ليلى يجوب به الدّجى # دجى الليل جوّاب الفلاة عثمثم [٢]
لتجبر منه جانبا زعزعت به # صروف الليالي و الزّمان المصمّم
فقال له ابن الزبير: هوّن عليك أبا ليلى، فالشعر أدنى و سائلك عندنا؛ أما صفوة أموالنا فلآل الزبير، و أما عفوته [٣] فإن بني أسد و تيما تشغلها عنك، و لكن لك في مال اللّه سهمان: سهم برؤيتك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و سهم بشركتك المسلمين في فيئهم. ثم أخذ بيده و دخل به دار النّعم، فأعطاه قلائص سبعا، و جملا رحيلا، و أوقر [٤] له
[١] الرّقي: كناية عن الشعر، أي كا ينظمه الشعراء من أجل حث الممدوح على العطاء، و الرّقي: جمع رقية.
[٢] العتمتم: الجمل الشديد.
[٣] عفوة المال: خياره و ما صفا منه و كثر.
[٤] أوقر: حمّل و ملأ.