العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٣٩ - وفود الشعراء على عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه
اعزب به. فو اللّه لا وطئ لي بساطا أبدا و هو كافر؛ فمن بالباب غير من ذكرت؟قلت: جرير بن الخطفي. قال: أ ليس هو القائل:
لو لا مراقبة العيون أريننا # مقل المها و سوالف الآرام [١]
هل ينهينك أن قتلن مرقّشا # أو ما فعلن بعروة بن حزام
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى # و العيش بعد أولئك الأقوام
طرقتك صائدة القلوب و ليس ذا # حين الزّيارة فارجعي بسلام
فإن كان و لا بد فهذا. فأذن له؛ فخرجت إليه فقلت: ادخل أبا حزرة. فدخل و هو يقول:
إنّ الذي بعث النبيّ محمدا # جعل الخلافة في إمام عادل
وسع الخلائق عدله و وفاؤه # حتى ارعوى و أقام ميل المائل
و اللّه أنزل في القرآن فريضة # لابن السبيل و للفقير العائل
إني لأرجو منك خيرا عاجلا # و النّفس مولعة بحبّ العاجل
فلما مثل بين يديه قال: اتق اللّه يا جرير و لا تقل إلا حقا. فأنشأ يقول:
كم باليمامة من شعثاء أرملة # و من يتيم ضعيف الصوت و النظر
ممن يعدّك تكفي فقد والده # كالفرخ في العشّ لم ينهض و لم يطر
يدعوك دعوة ملهوف كأنّ به # خبلا من الجنّ أو مسّا من النّشر [٢]
خليفة اللّه ما ذا تأمرنّ بنا # لسنا إليكم و لا في دار منتظر
ما زلت بعدك في هم يؤرّقني # قد طال في الحيّ إصعادي و منحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا # و لا يعود لنا باد على حضر
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا # من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدرا # كما أتى ربّه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها # فمن لحاجة هذا الأرمل الذّكر
[١] الآرام: الغزلان.
[٢] الخبل: الفساد و الجنون، و المسّ: الجنون.