العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٧ - و فود العرب على كسرى
و أما أنسابها و أحسابها، فليست أمة من الأمم إلا و قد جهلت آباءها و أصولها و كثيرا من أوّلها، حتى إنّ أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه و لا يعرفه و ليس أحد من العرب إلا يسمّي آباءه أبا فأبا، حاطوا بذلك أحسابهم، و حفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه: و لا ينتسب إلى غير نسبه، و لا يدعى إلى غير أبيه.
و أما سخاؤها، فإنّ أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة و الناب عليها بلاغه [١]
في حموله و شبعه و ريّه، فيطرقه الطارق [٢] الذي يكتفي بالفلذة [٣] و يجتزئ بالشّربة فيعقرها له و يرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة و طيب الذكر.
و أما حكمة ألسنتهم فإن اللّه تعالى أعطاهم في أشعارهم و رونق كلامهم و حسنه و وزنه و قوافيه، مع معرفتهم بالأشياء، و ضربهم للأمثال، و إبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس. ثم خيلهم أفضل الخيل، و نساؤهم أعفّ النساء، و لباسهم أفضل اللباس و معادنهم الذهب و الفضة، و حجارة جبالهم الجزع [٤] ، و مطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر، و لا يقطع بمثلها بلد قفر.
و أما دينها و شريعتها، فإنهم متمسّكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرا حرما، و بلدا محرما، و بيتا محجوجا ينسكون فيه مناسكهم، و يذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، و هو قادر على أخذ ثأره و إدراك رغبته منه، فيحجزه كرمه و يمنعه دينه عن تناوله بأذى.
و أما وفاؤها، فإنّ أحدهم يلحظ اللحظة و يومئ الإيماءة فهي ولث [٥] و عقدة لا يحلّها إلا خروج نفسه، و إنّ أحدهم ليرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه فلا
[١] الناب: الناقة المسنّة و بلاغه: معوّله و كفايته.
[٢] الطارق: الزائر ليلا.
[٣] الفلذة: القطعة.
[٤] الجزع: خرز يماني فيه سواد و بياض.
[٥] الولث: العهد.