العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٨ - و فود العرب على كسرى
يغلق رهنه و لا تخفر ذمته، و إن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به، و عسى أن يكون نائيا عن داره، فيصاب، فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما خفر من جواره؛ و إنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة و لا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، و أموالهم دون ماله.
و أما قولك أيها الملك: يئدون أولادهم، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار و غيرة من الأزواج.
أما قولك: إنّ أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها، فما تركوا ما دونها إلا احتقارا له، فعمدوا إلى أجلّها و أفضلها، فكانت مراكبهم و طعامهم مع أنها أكثر البهائم شحوما، و أطيبها لحوما، و أرقّها ألبانا، و أقلها غائلة، و أحلاها مضغة، و إنه لا شيء من اللّحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه.
و أما تحاربهم و أكل بعضهم بعضا، و تركهم الانقياد لرجل يسوسهم و يجمعهم؛ فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا و تخوّفت نهوض عدوها إليها بالزحف، و إنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، و ينقادون لهم بأزمّتهم: و أما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج و الوطف [١] بالعسف.
و أما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى جدّ الملك وليّها الذي أتاه عند غلبة الحبش له على ملك متّسق؛ و أمر مجتمع؛ فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا، و قد تقاصر عن إيوائه، و صغر في عينه ما شيّد من بنائه. و لو لا ما وتر [٢] به من يليه من العرب لمال إلى مجال، و لوجد من يجيد الطعان و يغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار.
قال: فعجب كسرى لما أجابه النعمان به؛ و قال: إنك لأهل لموضعك من الرئاسة
[١] الوطف: طردك الطريدة ثم تكون في إثرها.
[٢] وتر به: تعلّق به.