العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٧٦ - و فود العرب على كسرى
أسس جدّي اجتماعها، و شدّ مملكتها، و منعها من عدوّها؛ فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا، و إنّ لها مع ذلك آثارا و لبوسا، و قرى و حصونا، و أمورا تشبه بعض أمور الناس-يعني اليمن-ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلّة و القلّة و الفاقة و البؤس، حتى تفتخروا و تريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس.
قال النعمان: أصلح اللّه الملك، حقّ لأمة الملك منها أن يسمو فضلها، و يعظم خطبها، و تعلو درجتها. إلا أنّ عندي جوابا في كل ما نطق به الملك، في غير ردّ عليه، و لا تكذيب له، فإن أمّنني من غضبه نطقت به.
قال كسرى: قل فأنت آمن.
قال النعمان: أمّا أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل، لموضعها الذي هي به من عقولها و أحلامها، و بسطة محلّها، و بحبوحة عزّها، و ما أكرمها اللّه به من ولاية آبائك و ولايتك. و أما الأمم التي ذكرت، فأيّ أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها.
قال كسرى: بما ذا؟ قال النعمان: بعزّها و منعتها و حسن وجوهها و بأسها و سخائها و حكمة ألسنتها و شدة عقولها و أنفتها و وفائها:
فأما عزّها و منعتها؛ فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوّخوا البلاد، و وطّدوا الملك، و قادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، و لم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، و مهادهم الأرض، و سقوفهم السماء، و جنّتهم [١] السيوف، و عدّتهم الصبر. إذ غيرها من الأمم إنما عزّها الحجارة و الطين و جزائر البحور.
و أما حسن وجوهها و ألوانها فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند، و الصين المنحفة، و الترك المشوّهة، و الروم المقشّرة.
[١] جنتهم: دروعهم.