العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٢ - لطيف الاستمناح
و قلت فيه:
صحيفة كتبت ليت بها و عسى # عنوانها راحة الرّاجي إذا يئسا
وعد له هاجس في القلب قد برمت # أحشاء صدري به من طول ما هجسا [١]
براعة غرّني منها وميض سني # حتى مددت إليها الكفّ مقتبسا [٢]
فصادفت حجرا لو كنت تضربه # من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا [٣]
كأنما صيغ من بخل و من كذب # فكان ذاك له روحا و ذا نفسا
و قلت فيه:
رجاء دون أقربه السّحاب # و وعد مثل ما لمع السراب
و تسويف يكلّ الصّبر عنه # و مطل ما يقوم له حساب [٤]
و أيام خلت من كلّ خير # و دنيا قد توزّعها الكلاب
لطيف الاستمناح
قالت الحكماء: لطيف الاستمناح سبب النجاح، و الأنفس ربما انطلقت و انشرحت بلطيف السؤال، و انقبضت و امتنعت بجفاء [٥] السائل؛ كما قال الشاعر:
و جفوتني فقطعت عنك فوائدي # كالدّرّ يقطعه جفاء الحالب
و قال العتابي: إن طلبت حاجة إلى ذي سلطان فأجمل في الطلب إليه، و إياك و الإلحاح عليه؛ فإنّ إلحاحك يكلم [٦] عرضك و يريق ماء وجهك، فلا تأخذ منه عوّضا لما يأخذ منك؛ و لعلّ الإلحاح يجمع عليك إخلاق ماء الوجه، و حرمان النجاح؛ فإنه ربما ملّ المطلوب إليه حتى يستخف بالطالب.
[١] برمت: ملّت، و هجس: تحدّث به سرّا.
[٢] مقتبسا: أي طالبا قبسا من وميضها و ضوئها.
[٣] انبجس: تفجّر.
[٤] التسويق: المطل، و يكلّ: يتعب.
[٥] الجفاء: من المجافاة، و هي المفارقة و البعد.
[٦] يكلم: يجرح.