العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٧ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
إلى أخيه بالأذى، و تحامل عليه بالمكروه؛ فلم يزدد أخوه إلا رقّة له، و لطفا به، و احتيالا لمداواة مرضه، و مراجعة حاله، عطفا عليه، و برّا به، و مرحمة له.
فقال المهدي: أما عليّ فقد نوى اللّيان، و فضّ القلوب عن أهل خراسان، و لكل نبأ مستقر و سوف تعلمون. ثم قال: ما ترى يا أبا محمد؟يعني موسى ابنه.
فقال موسى: أيها المهدي، لا تسكن إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم، و أنت ترى الدماء تسيل من خلل فعلهم. و الحال من القوم تنادي بمضمرة شرّ، و خفيّة حقد، قد جعلوا المعاذير عليها سترا، و اتخذوا العلل من دونها حجابا، رجاء أن يدافعوا الأيام بالتأخير، و الأمور بالتطويل، فيكسروا حيل المهدي فيهم، و يثنوا جنوده عنهم، حتى يتلاحم أمرهم، و تتلاحق مادّتهم، و تستفحل حربهم، و تستمرّ الأمور بهم؛ و المهديّ من قوتهم في حال غرة [١] !و لباس أمنة، قد فتر [٢] لها، و أنس بها، و سكن إليها. و لو لا ما اجتمعت له قلوبهم، و بردت عليه جلودهم، من المناصبة بالقتال، و الإضمار للقراع، عن داعية ضلال أو شيطان فساد، لرهبوا عواقب أحوال الولاة، و غبّ سكون الأمور. فليشدد المهدي-وفقه اللّه-أزره لهم، و يكتّب كتائبه نحوهم، و ليضع الأمر على أشدّ ما يحضره فيهم، و ليوقن أنه لا يعطيهم خطة يريد بها صلاحهم إلا كانت دربة لفسادهم، و قوة على معصيتهم، و داعية إلى عودتهم، و سببا لفساد من بحضرته من الجنود، و من ببابه من الوفود الذين إن أقرّهم على تلك العادة، و أجراهم على ذلك الأدب لم يبرح في فتق حادث، و خلاف حاضر، لا يصلح عليه دين، و لا تسقيم به دنيا. و إن طلب تغييره بعد استحكام العادة، و استمرار الدّربة، لم يصل إلى ذلك بالعقوبة المفرطة، و المئونة الشديدة. و الرأي للمهدي-وفقه اللّه-ألاّ يقيل عثرتهم، و لا يقبل معذرتهم، حتى تطأهم الجيوش، و تأخذهم السيوف.
و يستحرّ [٣] بهم القتل، و يحدق بهم الموت، و يحيط بهم البلاء، و يطبق عليهم الذل.
[١] الغرّة: الغفلة.
[٢] فتر: ضعف.
[٣] يستحرّ: يشتدّ و يكثر.