العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٨ - مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان
فإن فعل المهديّ بهم ذلك كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم، و هزيمة لكل بادرة شرّ منهم. و احتمال المهدي مئونة غزوتهم هذه يضع عنه غزوات كثيرة، و نفقات عظيمة.
قال المهدي: قد قال القوم فاحكم يا أبا الفضل.
فقال العباس بن محمد: أيها المهدي، أما الموالي فأخذوا بفروع الرأي، و سلكوا جنبات الصواب، و تعدّوا أمورا قصّر بنظرهم عنها أنه لم تأت تجاربهم عليها.
و أما الفضل فأشار بالأموال ألا تنفق، و الجنود ألا تفرّق، و بأن لا يعطى القوم ما طلبوا، و لا يبذل لهم ما سألوا، و جاء بأمر بين ذلك، استصغارا لأمرهم و استهانة بحربهم، و إنما يهيج جسيمات الأمور صغارها.
و أما عليّ فأشار باللين و إفراط الرفق. و إذا جرّد الوالي لمن غمط [١] أمره و سفه حقّه، اللين بحتا، و الخير محضا، لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب على لينه، و لا بشر يحيشهم [٢] إلى خيره؛ فقد ملّكهم الخلع لعذرهم [٣] و وسّع لهم الفرجة لثنى أعناقهم، فإن أجابوا دعوته، و قبلوا لينه من غير ما خوف اضطرهم، و لا شدة حال أخرجتهم، لم يزل ذلك يهيج عزة في نفوسهم، و نزوة في رءوسهم، يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم؛ و يصرفون بها رأي المهدي فيهم. و إن لم يقبلوا دعوته، و يسرعوا لإجابته باللّين المحض و الخير الصّراح، فذلك ما عليه الظنّ بهم، و الرأي فيهم، و ما قد يشبه أن يكون من مثلهم؛ لأن اللّه تعالى خلق الجنة و جعل فيها من النعيم المقيم و الملك الكبير ما لا يخطر على قلب بشر، و لا تدركه الفكر، و لا تعلمه نفس؛ ثم دعا الناس إليها و رغّبهم فيها؛ فلو لا أنه خلق نارا جعلها لهم رحمة يسوقهم بها إلى الجنة، لما أجابوا و لا قبلوا.
و أما موسى فأشار بأن يعصبوا بشدّة لا لين فيها، و أن يرموا بشرّ لا خير معه.
[١] غمط: جحد و أنكر.
[٢] يحيشهم: يجعلهم يفزعون.
[٣] العذر: بضمّتين جمع عذار، و هو من اللجام ما سال على خدّ الفرس.