العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٦ - للحارث بن هشام في الفرار
و بعد هذا يأتي قول حسان في ذلك.
و أسلم الحارث يوم فتح مكة و حسن إسلامه، و خرج في زمن عمر إلى الشام من مكة بأهله و ماله، فاتبعه أهل مكة يبكون، فرقّ و بكى و قال: أما لو كنا نستبدل دارا بدارنا، أو جارا بجارنا، ما رأينا بكم بدلا؛ و لكنها النّقلة إلى اللّه فلم يزل هناك مجاهدا حتى مات.
و قال آخر:
قامت تشجّعني هند و قد علمت # أنّ الشّجاعة مقرون بها العطب
لا و الذي منع الأبصار رؤيته # ما يشتهي الموت عندي من له أدب
للحرب قوم أضلّ اللّه سعيهم # إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا
و لست منهم و لا أهوى فعالهم # لا القتل يعجبني منها و لا السّلب
و قال محمود الوراق:
أيها الفارس المشيخ المغير # إنّ قلبي من السلاح يطير [١]
ليس لي قوّة على رهج الخيـ # ل إذا ثوّر الغبار مثير [٢]
و استدارت رحى الحروب بقوم # فقتيل و هارب و أسير [٣]
حيث لا ينطق الجبان من الذّعر # و يعلو الصّياح و التّكبير
أنا في مثل ذا و هذا بليد # و لبيب في غيره نحرير [٤]
و قال أيمن بن خريم:
إنّ للفتنة ميطا بيّنا # فرويد الميط منها يعتدل [٥]
فإذا كان عطاء فأتهم # و إذا كان قتال فاعتزل
إنما يوقدها جهّالها # حطب النّار فدعها تشتعل
[١] المشيح: الجاد الماضي في أموره.
[٢] الرهج: الغبار الساطع.
[٣] الرّحى: الطاحون.
[٤] النحرير: العالم.
[٥] الميط: الهياج و الصخب.