العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٣٥ - وفود كثير و الأحوص و نصيب على عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه
و صدّقت بالفعل المقال مع الذي # أتيت فأمسى راضيا كلّ مسلم
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه # من الأود الباقي ثقاف المقوّم [١]
و قد لبست لبس الهلوك ثيابها # تراءى لك الدنيا بكفّ و معصم [٢]
و تومض أحيانا بعين مريضة # و تبسم عن مثل الجمان المنظّم
فأعرضت عنها مشمئزا كأنّما # سقتك مدوفا من سمام و علقم [٣]
و قد كنت من أجبالها في ممنّع # و من بحرها في مزيد الموج مفعم
و ما زلت تواقا إلى كلّ غاية # بلغت بها أعلى البناء المقوّم
فلما أتاك الملك عفوا و لم يكن # لطالب دنيا بعده من تقدّم
تركت الذي يفنى و إن كان مونقا # و آثرت ما يبقى برأي مصمّم
و أضررت بالفاني و شمّرت للذي # أمامك في يوم من الشرّ مظلم
و مالك إذا كنت الخليفة مانع # سوى اللّه من مال رغيب و لآدم
سما لك همّ في الفؤاد مؤرّق # بلغت به أعلى المعالي بسلّم
فما بين شرق الأرض و الغرب كلّها # مناد ينادي من فصيح و أعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمتني # بأخذ لدينار و لا أخذ درهم
و لا بسط كفّ لامرئ غير مجرم # و لا السّفك منه ظالما ملء محجم
و لو يستطيع المسلمون لقسّموا # لك الشّطر من أعمارهم غير ندّم
فأربح بها من صفقة لمبايع # و أعظم بها أعظم بها ثم أعظم
قال: فأقبل عليّ و قال: إنك مسئول عما قلت. ثم تقدّم الأحوص فاستأذنه في الإنشاد، فقال: قل، و لا تقل إلا حقّا. فقال:
و ما الشّعر إلا حكمة من مؤلّف # بمنطق حقّ أو بمنطق باطل
فلا تقبلن إلاّ الذي وافق الرّضا # و لا ترجعنّا كالنّساء الأرامل
رأيناك لم تعدل عن الحقّ يمنة # و لا شأمة فعل الظّلوم المخاتل [٤]
[١] الزيغ: الضلال، و الأود: الاعوجاج.
[٢] الهلوك: البغيّ.
[٣] مدوفا: ممزوجا.
[٤] شأمة: بسرة، و المخاتل، الغادر.