المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٨٢ - ثم دخلت سنة تسعين و مائة
ظنّ أنه لم يبق أحد في الحصن إلا أشرف، فقال الرومي: أ تصدقني عما استخبرك؟
قال: نعم، قال: أنت باللَّه ابن الجزري، قال: اللَّهمّ نعم. فكفّر له، ثم أخذا في شأنهما فاطعنا حتى طال الأمر بينهما، و كان الفرسان يقومان و لم نجد من واحد منهما صاحبه، ثم تجالدا بالسيوف، و جعل ابن الجزري يضرب الضربة التي يرى أنه قد بلغ فيها، فيتقيها الرومي، و كان ترسه حديدا، فيسمع لذلك صوت منكر، و يضربه الرومي ضرب مغدر، لأن ترس ابن الجزري كان درقة، فلما يئس كل واحد منهما من صاحبه انهزم ابن الجزري، فدخلت المسلمين كآبة لم يكتئبوا مثلها قط، و عطعط المشركون، ثم اتبعه العلج، فالتفت [١] ابن الجزري، فرمى العلج بوهق فوقع في عنقه، و ركض إليه فاستلبه عن فرسه، ثم عطف عليه، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه، فكبّر المسلمون و انخذل المشركون، و بادروا الباب يغلقونه. و إنما كانت هزيمة ابن الجزري حيلة منه.
و اتصل الخبر بالرشيد فقال للقوّاد: اجعلوا النار في المجانيق، فتهافت السور، ففتحوا الباب مستأمنين، و صبت الأموال على ابن الجزري/ و قوّد، فلم يقبل النقود، و سأل أن يعفى و يترك بمكانه من الثغر، فلم يزل به طول عمره.
و كان فتح هرقلة في شوال، و أخربها و سبى من أهلها ستة عشر ألفا، فأقدمهم الرافقة، فتولى بيعهم أبو البختري القاضي.
و وجه الرشيد داود بن عيسى بن موسى سائحا في أرض الرقة في سبعين ألفا.
و افتتح شراحيل [٢] بن معن بن زائدة حصن الصقالبة و ديسة [٣].
و افتتح يزيد بن مخلد الصّفصاف، و مقلونية [٤].
و ولّي حميد بن معيوف ساحل بحر الشام إلى مصر، فبلغ حميد قبرس، فهدم
[١] في الأصل: «فالتف».
[٢] في الأصل: «شراحبل».
[٣] تاريخ الطبري ٨/ ٣٢٠.
[٤] تاريخ الطبري ٨/ ٣٢٠.