المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٤٦ - ١٠١٩- جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكي
أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار، أنبأنا علي بن أبي علي البصري، عن أبيه، أن مسروا قال: استدعاني المأمون فقال لي: قد أكثر عليّ أخبار السر بأن شيخا يأتي خراب البرامكة فيبكي و ينتحب طويلا ثم ينشد شعرا يرثيهم به و ينصرف، فاركب أنت و دينار بن عبد اللَّه/ و استتر بالجدران، فإذا جاء و شاهدتما ما فعل و سمعتما ما قال فاتياني به، فركبنا مغلسين، فأتينا الموضع فاختفينا فيه و أبعدنا الدواب، فلما أصبحنا إذا بخادم أسود قد أقبل و معه كرسي حديد، فطرحه و جاء على أثره كهل فجلس على الكرسي و تلفت فلم ير أحدا، فبكى و انتحب حتى قلت قد فارق الدنيا، ثم أنشأ يقول:
و لما رأيت السيف خلل جعفرا * * * و نادى مناد للخليفة في يحيى
[١] و ذكر أبياتا قد تقدمت، فلما قام قبضنا عليه، فقال: ما تريدان مني. قلت: هذا دينار بن عبد اللَّه و أنا مسرور خادم أمير المؤمنين و هو يستدعيك فالبس، ثم قال: إني لا آمنه على نفسي، فأمهلني حتى أوصي. قلت: شأنك. فسرنا معه فوقف على دكان رجل و استدعى دواة و بيضاء، فكتب فيها وصيته، و دفعها إلى خادمه، و سرنا به، فلما مثل بين يدي الخليفة زبره و قال: من أنت؟ و بم استحق منك البرامكة ما تصنع [٢]. فقال غير هائب و لا محتشم: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة عندي أيادي خضراء، فإن أمر أمير المؤمنين حدثته ببعضها. فقال: هات. فقال: أنا المنذر بن المغيرة الدمشقيّ، نشأت في نعمة فزالت حتى أفضت إلى بيع داري، و أملقت إلى [غير] [٣] غاية، فأشير عليّ بقصد البرامكة، فخرجت إلى بغداد/ و معي نيف و عشرون امرأة و صبيا، فدخلت بهم إلى [مسجد] [٤] ببغداد، ثم خرجت و تركتهم جياعا لا نفقة لهم، فمررت بمسجد فيه جماعة عليهم أحسن زي، فجلست معهم أردد في صدري ما أخاطبهم به فتحيد نفسي عن ذل السؤال [٥]، فإذا خادم قد أزعج القوم، فقاموا فقمت معهم، فدخلوا دارا كبيرة، فدخلت معهم، فإذا يحيى بن خالد على دكة وسط بستان، فجلسوا و جلست، و كنا مائة
[١] الأبيات في تاريخ بغداد ٧/ ١٥٩، ١٦٠.
[٢] في ت: «يصنع».
[٣] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٤] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٥] في ت: «فتحد نفسي باني ذل السؤال».