المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٩١ - ١٠٤٢- يحيى بن خالد بن برمك، أبو علي
السكر، و تبقى الدهر فأنفذها إليّ. فأنفذها و أرسل إلى جعفر، فقال: يا بني أبعث إليّ بألف ألف درهم لحق لزمني. فبعث إليه، ففكر ساعة ثم قال لخادم على رأسه: ابعث إلى دنانير و قل لها هات العقد الّذي وهبه لك أمير المؤمنين فأهديه. فقال: هذا عقد أمير المؤمنين بمائة و عشرين ألف دينار. فوهبه لدنانير، و قد قومناه عليك بألفي ألف درهم ليتم المال، فخل عن صاحبنا. فأخذت ذلك، و رددت منصورا معي، فلما صرنا إلى الباب تمثل منصور:
فما بقيا عليّ تركتماني * * * و لكن خفتما صرد النبال
/ قال صالح: فقلت في نفسي ما أحد أكرم من يحيى، و لا أردأ طبعا من هذا النبطي، إذ لم يشكر من أحيا نفسه. و صرت إلى الرشيد فعرفته ما جرى إلا إنشاد [١] البيت، خوفا عليه أن يقتله. فقال الرشيد: قد علمت أنه لا يسلم إلا بأهل هذا البيت، فاقبض المال، و اردد العقد، فما كنت لأهب هبة ثم أرتجعها.
قال صالح: و حملني غيظي من منصور أن عرفت يحيى ما أنشد، فأقبل يحيى يتحمل له بالغدر و يقول: إن الخائف لا يتقى [٢] له لب، و ربما نطق بما لا يعتقد، فقلت: و اللَّه لا أدري من أي فعليك أعجب، من فعلك معه، أو من اعتذارك عنه، لكني أعلم أن الزمان لا يأتي بمثلك أبدا.
و كان يحيى بن خالد يجري على سفيان بن عيينة كل شهر ألف درهم، فسمع سفيان يقول في سجوده: اللَّهمّ إن يحيى كفاني أمر دنياي فاكفه بهم آخرته. فلما مات يحيى رآه بعض إخوانه في النوم، فقال له: ما فعل اللَّه بك. قال: غفر لي بدعوة سفيان.
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا أحمد بن أبي جعفر الأخرم، أخبرنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد الطوماري، حدّثنا المبرد قال: حدّثني محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك قال: قال أبي لأبيه: يحيى بن خالد بن [٣] برمك- و هم في القيود و لبس الصوف و الحبس-: يا أبت، بعد الأمر و النهي و الأموال العظيمة
[١] في الأصل: «إنساد».
[٢] في الأصل: «لا يتفى».
[٣] في الأصل: «أظنه محمد بن الفضل بن يحيى»