المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٢١ - باب ذكر خلافة الأمين
أنّ اللَّه قد اختار لأمير المؤمنين أفضل الدارين، و أجزل الحظّين، فقم في أمرك قيام ذي الحزم، و الناظر لأخيه و سلطانه، و عامة المسلمين، و إيّاك أن يغلب عليك الجزع، فإنه يحبط/ الأجر، و يعقب الوزر، و صلوات اللَّه على أمير المؤمنين حيّا و ميّتا، و إنا للَّه و إنا إليه راجعون، ثم إنا للَّه و إنا إليه راجعون و خذ البيعة على من [١] قبلك من قوّادك و جندك، و خاصّتك و عامّتك، لأخيك ثم لنفسك، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على الشرط التي جعلها لك أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه، فإنّك مقلّد من ذلك ما قلدك اللَّه و خليفته، فاعلم من قبلك رأيي في صلاحهم، و سدّ خلّتهم، و التوسعة عليهم، فمن أنكرته عند بيعته، أو اتّهمته على طاعته، فابعث إليّ برأسه، و إياك و إقالته، فإنّ النار أولى به. و اكتب إلى عمّال ثغورك، و أمراء أجنادك بما طرقك من المصيبة بأمير المؤمنين، و أعلمهم أنّ اللَّه لم يرض الدّنيا ثوابا له حتى قبضه إلى رحمته و جنته [٢]، مغبوطا محمودا. و مرهم أن يأخذوا البيعة على أجنادهم و خواصّهم و عوامّهم على مثل ما أمرتك به، و أوعز إليهم في ضبط ثغورهم، و القوّة على عدوّهم، و أعلمهم أنّي متفقد أحوالهم، و لام شعثهم، و موسّع عليهم، و اعمل فيما تأمر به لمن حضرك أو نأى عنك من أجنادك، على حسب ما ترى و تشاهد، فإن أخاك يعرف حسن اختيارك، و صحّة رأيك، و بعد نظرك، و هو يستحفظك اللَّه، و يسأله أن يشدّ بك عضده، و يجمع بك أمره، إنه لطيف لما يشاء.
و كتب بكر بن المعتمر بين يدي بإملائي في شوال سنة اثنتين و تسعين و مائة [٣].
و كتب إلى صالح أخيه:
إذا ورد عليك كتابي هذا عند وقوع/ ما قد سبق من علم اللَّه، و نفذ من قضائه في خلفائه و أوليائه، و جرت به سنته في الأنبياء و المرسلين و الملائكة المقربين، فقال تعالى:
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [٤] فاحمد اللَّه على ما صار إليه
[١] في الطبري: «عمن».
[٢] في الطبري: «روحه و راحته و جنته».
[٣] تاريخ الطبري ٨/ ٣٦٧، ٣٦٨.
[٤] سورة: القصص، الآية: ٨٨.