المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٥٢ - ١٠٢١- أبو شعيب البراثي العابد
فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت له: يا هذا، قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال،/ فلو قبلت هذا المال فانفرجنا به. فقال لها: مثلي و مثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كثر نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال: تدخل فعسى يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس على السطح على باب الغرفة، فجلس هارون إلى جنبه، فجعل يكلمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا، قد أذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك اللَّه. فانصرفنا.
١٠٢١- أبو شعيب البراثي العابد
[١].
أخبرنا أبو منصور القزاز قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ قال: أخبرني أبو جعفر [٢] الخلدي [٣] في كتابه. و حدّثني فيه محمد بن إبراهيم عنه قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول: كان أبو شعيب البراثي أول من سكن براثا في كوخ يتعبد فيه، فمرت بكوخه جارية من بنات الكبار [٤] من أبناء الدنيا كانت ربّيت [٥] في قصور الملوك، فنظرت إلى أبي شعيب فاستحسنت حاله [٦]، فصارت كالأسير له، فعزمت على التجرد عن الدنيا و الاتصال بأبي شعيب، فجاءت إليه و قالت: أريد أن أكون لك خادمة. فقال لها: إن أردت ذلك فغيّري من هيئتك و تجردي عما أنت فيه حتى تصلحي لما أردت. فتجردت عن كل ما تملكه/ و لبست لبسة النساك و حضرته فتزوجها، فلما دخلت الكوخ رأت قطعة خصاف و كان يجلس عليها أبو شعيب تقيه من النّدى، فقالت: ما أنا بمقيمة فيها حتى تخرج ما تحتك، لأني سمعتك تقول: إن الأرض تقول لابن آدم: تجعل بيني و بينك حجابا و أنت غدا في بطني، فما كنت لأجعل
[١] البداية و النهاية ١٠/ ١٩٩.
[٢] في ت: «أخبرني جعفر».
[٣] في الأصل: «الخالديّ».
[٤] في ت: «الكتاب».
[٥] في الأصل: «ربيبته».
[٦] في الأصل: «إلى حال أبي شعيب فاستحسنتها».