المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٧٣ - ٩٨٨- يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حبتة الأنصاري
تجيء خلفي إلى الحلقة [١] فتأخذ بيدي، و تذهب بي إلى القصّار، و كان أبو حنيفة يعنى بي، لما يرى من حرصي على التعلم، فلما كثر ذلك على أمي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا كسب [٢] له، و أنا/ أطعمه من مغزلي، و آمل انه يكسب دانقا يعود به على نفسه. فقال لها أبو حنيفة: مرّي يا رعناء، ها هو ذا يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق. فانصرفت و قالت له: أنت شيخ قد خرفت و ذهب عقلك.
ثم لزمته، فنفعني اللَّه بالعلم، و رفعني حتى تقلّدت القضاء، و كنت أجالس الرشيد، و آكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدّم إليّ هارون فالوذجة بدهن [فقال لي هارون: يا يعقوب، كل منه، فليس كل يوم يعمل لنا مثله. فقلت: و ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه فالوذجة بدهن] [٣] الفستق، فضحكت. فقال لي: مم تضحك؟
فقلت: خيرا، أبقى اللَّه أمير المؤمنين. فقال: لتخبرني. و ألحّ عليّ، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها، فتعجب من ذلك، و قال: لعمري إن العلم يرفع و ينفع دنيا و آخرة.
و ترحّم على أبي حنيفة، و قال: كان ينظر بعين عقله ما لا يرى بعين رأسه [٤].
أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزاز قال: أخبرنا علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه قال: حدّثني أبي قال: كان سبب اتصال يوسف بالرشيد أنه قدم بغداد بعد موت أبي حنيفة، فحنث بعض القوّاد في يمين، و طلب فقيها يستفتيه [٥] فيها، فجيء بأبي يوسف فأفتاه انه لم يحنث، فوهب له دنانير، و أخذ له دارا بالقرب منه، و اتصل به، فدخل القائد يوما إلى الرشيد فوجده مغموما، فسأله عن سبب غمّه، فقال: شيء من أمر الدين قد أحزنني فاطلب لي فقيها أستفتيه فجاءه بأبي يوسف. قال أبو يوسف: فلما دخلت إلى ممرّ بين الدور رأيت فتى حسنا عليه أثر الملك/، و هو في حجرة محبوس، فأومأ إليّ بإصبعه مستغيثا، فلم أفهم عنه إرادته، فأدخلت إلى الرشيد، فلما مثلت بين يديه سلّمت و وقفت، فقال لي: ما اسمك؟ قلت: يعقوب، أصلح اللَّه أمير المؤمنين. قال: ما تقول
[١] إلى الحلقة» ساقطة من ت.
[٢] في ت: «لا شيء له».
[٣] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٤] تاريخ بغداد ١٤/ ٢٤٤، ٢٤٥.
[٥] في ت: «ليستفتيه».