المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٨١ - ثم دخلت سنة تسعين و مائة
الرشيد بالسهام و المجانيق و العرادات، ففتح الباب يوما رجل منهم و خرج في أكمل زي و سلاح، فنادى: هل من مبارز؟ قد طالت مرافقتكم إيانا، فليبرز [١] إليّ منكم رجلان، ثم لم يزل يزيد حتى بلغ عشرين، فلم يجبه أحد، فدخل و أغلق الباب، و كان الرشيد نائما، فلم يعلم بخبره إلا بعد انتباهه، فغضب و لام خدمه إذ لم يعلموه/ فقيل له: إن الامتناع عنه سيغريه [٢] و يطغيه، و هو يخرج في غد فيطلب مثل ما طلب، فطالت على الرشيد ليلته انتظارا له، فإذا هو بالباب قد فتح، و خرج طالبا للبراز، فجعل يدّعي أنه يثبت لعشرين، فقال الرشيد: من له؟ فابتدر جماعة من القواد كهزيمة و خزيمة، فعزم على إخراج المطوعة بعضهم، فضج المطوعة، فإذا بعشرين منهم، فقال قائلهم: يا أمير المؤمنين، قوّادك مشهورون بالبأس، و متى خرج واحد منهم فقتل هذا العلج لم يكبر ذلك، و إن قتله العلج كانت وصمة على العسكر قبيحة، و نحن عامة لا يرتفع لأحد منا صوت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخلينا نختار رجلا من العامة فنخرجه إليه، فإن ظفر علم أهل الحصن أن أمير المؤمنين ظفر بأعرفهم على يد رجل من العامة، ليس ممن يؤمن قتله، و لا يؤثر، و إن قتل الرجل كان شهيدا و لم يؤثر دما. فقال الرشيد: قد استصوبت رأيكم، فاختاروا رجلا منكم، فاختاروا [٣] رجلا يقال له: ابن الجزري، و كان معروفا بالبأس و النجدة، فقال له الرشيد: أ تخرج؟ قال: نعم، و استعين باللَّه.
فقال: أعطوه فرسا و رمحا و سيفا و ترسا. فقال: يا أمير المؤمنين، أنا بفرسي أوثق، و رمحي بيدي أشد، و لكن قد قبلت السيف و الترس فلبس سلاحه و استدناه الرشيد و ودعه و أتبعه الدعاء، و خرج معه عشرون من المطوعة، فلما انقض [٤] في الوادي قال لهم العلج و هو يعدّهم واحدا واحدا،/ إنما الشرط عشرون و قد زدتم رجلا، و لكن لا بأس. فنادوه: ليس يخرج إليك إلا رجل واحد. فلما فصل منهم ابن الجزري تلقاه الرجل الرومي و قد أشرف أكثر [٥] الناس من الحصن يتأملون صاحبهم و القرن، حتى
[١] في الأصل: «فليبزز».
[٢] في الأصل: «سيغربه».
[٣] في الأصل: «فاحتاروا».
[٤] في الأصل: «انقص».
[٥] في الأصل: «أكنر».