المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٣١ - ثم دخلت سنة سبع و ثمانين و مائة
هي قبلي يا أمير المؤمنين. قال: هاتها. فأحضرها و جلست و جلسنا، فأخذنا في شأننا و قال: هيّه غنّي. فعصرت عينيها ثم بكت [١] و قالت: أما بعد السادة فلا. فغضب الرشيد و قال: سيف و نطع، ثم قال لها: غني. فردّت مثل قولها الأول، و أسبلت الدموع، و ذهبت عقولنا نحن، و وقعت علينا الرعدة من شدة الخوف، فقال للسياف: انظر إلى يدي، فإذا عقدت لك بالخنصر اثنين فأمسك [٢]، فإذا عقدت بالوسطى ثلاثا فاضرب.
فأخذ السياف السيف و وقف وراءها شاهرا به. فقال لها الرشيد: غني: فقالت: أما بعد السادة فلا، و هي تبكي و قد علا بكاؤها، فعقد بيده واحدة، ثم قال لها ثانية فقالت القول الأول، فعقد اثنين، و رفع يديه يريها السياف و أقبل يحرك الوسطى و يقول لها: غنّي.
و أقبلنا عليها نناشدها في نفسها و فينا [٣]، فاندفعت تغني:
لما رأيت الديار قد درست * * * أيقنت أن النعيم لم يعد
فوثب إليها الرشيد، فأخذ العود من يدها، و أقبل يضرب به وجهها و رأسها حتى تفتت، و أقبلت الدماء، و تطايرنا نحن، و حملت من بين يديه وقيدة [٤]، فمكثت ثلاثا/ و ماتت [٥].
و روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري [٦] سببا [٧] عجبا في خبر البرامكة في هلاك جعفر قال: كان الرشيد لا يصبر عن جعفر و أخته عباسة بنت المهدي، و قال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها، و لا تمسها. فكانا يحضران مجلسه، ثم يقوم عن مجلسه و يخليهما، فيقوم إليها جعفر فيجامعها، فحبلت منه، فولدت غلاما، و خافت من [٨] الرشيد، فلم يزل الأمر مستورا، و وجهت المولود مع خواص لها من
[١] في الأصل: «و بكت».
[٢] في الأصل: «فأمسك».
[٣] في ت: «في نفسها و نجهد بها».
[٤] في ت: «يديه رجيدة».
[٥] البداية و النهاية ١٠/ ١٩٢.
[٦] في ت: «و روى جعفر بن جرير الطبري».
[٧] في ت: «شيئا».
[٨] «من» ساقطة من ت.