الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧٨ - الجاحدين للتوسّل بنوا جحودهم على التفويض الأكبر
الأحوال.
ونحن نقول: إن المخلوق لا يستقلّ بذاته وفعله عن الباري تعالى حدوثاً وبقاءً، ولا يفعل المخلوق فعلًا أيّاً كان حجمه وخطورته إلّابإقدار اللَّه وتمكينه وبحوله وقوته بدءاً واستدامة.
ولو كان أصحاب هذه الشبهة يرفضون فكرة التفويض مطلقاً ويوحّدون في الخلقة حدوثاً وبقاءً لما حصلت لهم هذه الشبهة، لأن اللَّه تعالى لا تنحسر قدرته عن المخلوق في أصل خلقته وبعد خلقته، فهو دائماً يستمدّ وجوده وبقاءه من الفيض والمدد الإلهي، وهم أرادوا أن ينكروا التوسّل، وهو فعل من الأفعال للزوم التفويض، فوقعوا فيما هو أعظم وهو التفويض في أصل وجود المخلوقات من حيث البقاء فضلًا عن أفعالها، مع أن اللَّه تعالى دائم الفيض على البريّة، والمخلوق في كلّ آن من آنات وجوده محتاج إلى فيض باريه، لا يستقلّ عنه في وجوده ولا ينادده في فعله؛ إذ الباري قيّوم على وجود المخلوق وأفعاله بنحو الأمر بين الأمرين، فلا ننفي المخلوقات وأفعالها كما فعل ذلك بعض جهلة الصوفية، ولا نعزل قدرة اللَّه تعالى عن مخلوقاته كما فعل المفوّضة، بل نقول كما قال اللَّه عزّ وجلّ: «وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى» [١].
الجواب الثالث: أن الجاحدين للتوسّل حيث كانوا عبّاد المذهب الحسّي المادي من حيث يشعرون أو من حيث تشبّع نفسياتهم وذهنهم بذلك، حيث يبنون على أن كلّ فعل حسّي هو فعل للمخلوقات، وكلّ فعل وراء الحسّ فهو فعل لاهوتي إلهي، أو أن الأفعال الصغيرة الحجم هي فعل للمخلوقات أما
[١] الأنفال: ١٧.