الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٣٩ - الجواب عن الشبهة الثانية
من البعد من جهة العبيد، وإن كان الباري تعالى قريب من كل مخلوقاته على السواء، إلّاأن مخلوقاته ليست في القرب منه على استواء ولا في القرب من عظمته ونوره وعلمه وقدرته على سواسية، فضرورة الحاجة إلى الوسيلة والقيام بالتقرب ضرورة نابعة من العبودية والفقر إلى الغني المطلق، وهذا ما لم ينكره القرآن على المشركين، كيف وهي عين التوحيد والتعظيم، بل إنما أنكر عليهم اتخاذ الوسائل والوسائط من قبل أنفسهم ومن قرائحهم ومن فرض إرادتهم في تعيين الوسيلة على إرادة اللَّه، وهي من تكبّر المعبود على العابد، فالإنكار عليهم نشأ من كونهم توسّلوا بوسائل وأسماء ما أنزل اللَّه بها من سلطان، ومن ذلك يكون الجاحدون لضرورة التوسّل بالوسائط المنصوبة من قبله تعالى أشدّ جاهلية من المشركين؛ لأنهم لا يرجون للَّهوقاراً ولا تعظيماً، فيجعلون الباري تعالى منالًا تحت أيديهم، لأن إنكار الحاجة إلى الوسيلة والوسائل هو إنكار لعظمة اللَّه وكبريائه وعلوّ شأنه ورفعته وعزّته وجبروته وكينونته بالأفق الأعلى، في حين قاهريته تعالى وهيمنته على تمام مخلوقاته وأنه خبير بصير، إلّاأن الحال من ناحية المخلوق تجاه الخالق هو بُعد المخلوق عن معرفة خالقه وبعده عن مقام الزلفى لباريه وكذا بعده عن حظوة الكرامة عند خالقه، وبعده عن استحقاق الإجابة والمنّ والتفضّل الإلهي، بعد كون المخلوق في حُجب التقصير والقصور والجهل والجهالة، مما يستحق بها الطرد لا القرب والإبعاد لا الدنو والعقوبة لا الثواب والحرمان لا الإنعام، فكل هذه الحجب المانعة عن القرب يزيلها العبد بوجاهة الوسيلة عند الربّ العظيم، لا سيّما وأن اللجوء إلى الوسيلة التي هي آية للربّ المتعال هو لُجأ إلى الجناب الإلهي،