الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٨٦ - الطائفة الثالثة الذين يحيطون بالكتاب المبين
وأوصيائهم بهذه الصفة من العلم بالكتاب، فهم في قوله تعالى: «قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا ...» [١]، هو وصف لآصف بن برخيا وصي سليمان، وقد بيّنت هذه الآية أنّ خاصّية علم الكتاب القدرة التكوينية الخارقة كالتي كانت حاصلة لدى آصف، وقد أشارت إليه سورة الرعد نفسها في قوله تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى ...» [٢] ومن الواضح أنّ هذه الخاصّية والصفة إنّما تُعطى لذوي المناصب الإلهية كالأوصياء والرسل، ومن ثمّ وصف بعلم الكتاب أكثر أنبياء اللَّه.
كما أنّ آيات الثقل الأوّل في هذه الطائفة مبيّنة لاحتواء الكتاب بكلّ المشيئات الإلهية وبكلّ غائبة في السماوات و الأرض وكلّ صغيرة وكبيرة ورطب ويابس، فالإحاطة بمثل هذا العلم لم يكن لدى من أسلم من اليهود والنصارى كما زُعِم، كعبداللَّه بن سلام وتميم الداري وغيرهما، فمع خطورة هذا المقام وعظمة شأن هذه الصفة يمتنع أن يكون مصداقها هؤلاء، و ذلك دليل بيّن على كون نزولها في مكّة وأنّ مصداقها هو من يكون وصياً للنبيّ صلى الله عليه و آله.
الرابع: إنّ شهادة من عنده علم الكتاب أمر أُردف بشهادة اللَّه تعالى للدلالة على أنّها تتلوها في السنخ، وبعبارة أُخرى: إنّ إدلاء الشاهد بالشهادة يستلزم تحمّل الشاهد عياناً للأمر المشهود به، ممّا يعني أنّ الشاهد لديه إدراك حضوري عياني لعملية إنباء النبيّ ونزول الوحي على قلبه الشريف، ونزول الوحي على قلب النبيّ صلى الله عليه و آله أمر غيبي ليس من عالم الشهادة والحسّ، فلا يتيسّر للشاهد الشهادة إلّاأن يشهد بقلبه كيفية نزول الوحي على النبيّ صلى الله عليه و آله، وكيف لا يتيسّر له ذلك وعنده علم الكتاب الذي استطرّ فيه كلّ شيء.
و هذا ما يشير إليه قول علي عليه السلام في الخطبة المعروفة بالقاصعة: «... ولم يجمع بيت واحد في الإسلام غير رسول اللَّه صلى الله عليه و آله وخديجة و أنا ثالثهما، أرى نور الوحي
[١] سورة النمل ٢٧: ٤٠.
[٢] سورة الرعد ١٣: ٣١.