الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٧ - قراءات جديدة في آيات وحديث الغدير
أُخرى، إنّ الإمامة كما تقرّر في معناها ليست مقتصرة على الرئاسة العامّة وحفظ الدين في جانب الحاكمية والتدبير، بل حدودها ومعناها أوسع من ذلك بنحوٍ يتناول الهداية التشريعية الارائية في طول النبوّة والهداية الإيصالية للنفوس إلى الكمالات الحقيقية بتدبير ملكوتي
وكلّ من الهدايتين هي من موقع تكويني لنفس وروح الإمام المعصوم، نظير ما ذكره المتكلّمون في تعريف النبوّة والنبيّ من أنّها كون النفس البشرية بحيث تسمع كلام اللَّه، أي أنّه مقام تكويني للروح النبويّة، فكذلك الحال في الإمامة فإنّها مقام تكويني كمالي وإن اختلفت سنخاً عن النبوّة، ويتقرّر من ذلك أنّ الولاية بمعناها الوسيع الشامل تتطابق [١] مع ماهية الإمامة.
ويجدر هاهنا الإشارة إلى جملة من الشواهد على سعة معنى الولاية بالإضافة إلى الدين وأبوابه ومقاماته:
أوّلًا: قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً* وَ داعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِراجاً مُنِيراً» [٢]، مفاد الآية يقرّر أنّ الدعوة إلى اللَّه وهي الهداية الأرائية هي صلاحية وولاية يعطيها اللَّه عزّوجلّ، و هذا مؤدّى قوله (بإذنه)؛ إذ إعطاء الإذن إنّما هو في حقل الولاية والملكية والقدرة والسلطنة. فيظهر من الآية أنّ إحدى محطّات الولاية وشعبها هي الدعوة إلى اللَّه والهداية التشريعية، ونظير هذا المفاد قوله تعالى: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ» [٣].
حيث أوضحت الآية التقابل بين الفريّة من جانب والفتيا بالإذن من جانب
[١] ومن ثمّ كانت الشهادة لعليّ عليه السلام بالإمامة هي عين الشهادة لعليّ بالولاية ف (أشهدُ أنّ عليّاً وليّ اللَّه) هي عين مفاد أشهد أنّ علياً إماماً للدين والدنيا.
[٢] سورة الأحزاب ٣٣: ٤٥- ٤٦.
[٣] سورة يونس ١٠: ٥٩.