الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٨٣ - الطائفة الثالثة الذين يحيطون بالكتاب المبين
في الرعد: «كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» [١] فالحريّ بنا أن ننقّح الحال في كون الآية مكّية في قبال القولين السابقين اللذين مرّا في الآية وأنّها مدنية.
و هذا القول يستلزم كون الآية مدنية؛ لأنّ هؤلاء وهم عبد اللَّه ابن سلام أو سلمان الفارسي أو تميم الداري- أسلموا بعد الهجرة، وكلا القولين بعيدين عن الحقيقة والصواب.
أمّا القول الأوّل، فإنّ ما نُسب إلى ابن عبّاس فمع كون النسبة غير مسندة، فتكون القراءة شاذّة لا يجب التعويل عليها في قبال المتواتر من قراءة الآية، أي أنّ (مَنْ) اسم موصول لا حرف جرّ.
أمّا القول الثاني، فيردّه شواهد عديدة:
الأوّل: كون الآية مكّية كما عن النحاس عن ابن عباس، وممّن ذهب إلى أنّها مكّية سعيد بن جبير والحسن وعكرمة وعطاء وجابر ابن زيد. [٢]
الثاني: إنّ سياق السورة من أوّلها إلى آخرها سياق واحد في المحاججة مع الكفّار، مثل قوله تعالى: «وَ إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ» [٣]، وقوله تعالى: «وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ* وَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» [٤]، ومن الظاهر أنّ هذا اللحن لحن دعوة الرسول صلى الله عليه و آله في مكّة مع كفّار قريش كبقية السور المكّية، لا أُسلوب المواجهة بالقوّة والتهديد بالقتال، وكذلك هو لحن الطرف الآخر وهم الكفّار- لحن المطالبة بالمعجز أي الحجاج المنطقي، وهي مرحلة متقدّمة في عهد مكّي من الرسالة تختلف عن العهد المدني من أُسلوب المواجهة مع الرسول
[١] سورة الرعد ١٣: ٤٣.
[٢] فتح القدير للشوكاني.
[٣] سورة الرعد ١٣: ٥.
[٤] سورة الرعد ١٣: ٦- ٧.