الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٦١ - أقسام الوحي
تصدر عنهم بوحي مقارن بصدور الفعل، كما أشار إلى ذلك العلّامة الطباطبائي في الميزان، فالآية تشير إلى أنّ الموصوفين بجعلهم أئمّة من قبله تعالى مؤيدون بحقيقة أمرية من عالم الأمر، وهو روح القدس الطاهرة، ومسدّدون بقوّة ربانية ينبعث منهم بتوسّطها فعل الخيرات.
والقرينة الأُخرى على إرادة الوحي التسديدي في الآية المزبورة: «وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ»، أنّه لو أُريد الوحي التشريعي لفُصل بين كلمة الوحي وكلمة فعل الخيرات بأنّ ونحوها، كما هو الشائع في الاستعمال القرآني واللغوي.
وممّا يعضد استعمال الوحي في الأعمّ من الوحي التشريعي (الأنبائي) والتسديدي قوله تعالي: «وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ» [١]، فإنّ الإيحاء بالروح الأمري (أي من عالم الأمر) المراد به تسديده صلى الله عليه و آله بذلك الروح لا صرف الأنباء، بقرينة ذكر كلّ من الكتاب والإيمان، فإنّ الإيمان فعل تسديدي نظير: «وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ»، مضافاً إلى أنّه جعل متعلّق الوحي في قوله تعالى: «أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا» هو نفس الروح، ممّا يدلّل على إرساله ليلتحم بروح النبيّ صلى الله عليه و آله.
فيتحصّل في مفاد الآية تعليل هدي النبيّ صلى الله عليه و آله ورشاده صلى الله عليه و آله ونور نطقه بأنّ الباري اصطنعه بيد القدرة الربانية، كما في قوله تعالى: «وَ لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي» [٢]، وقوله تعالى في شأن النبيّ موسى: «وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي» [٣]، بنحوٍ يكون جميع شؤونه وحيانيةً. ومن ثمّ فرض الباري على البشرية لزوم التأسّي برسوله في جميع شؤونه، حيث قال: «لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» [٤]، وأطلق تعالى الأمر بالأخذ بجميع ما يأتي به النبيّ صلى الله عليه و آله والانتهاء عمّا ينهى عنه، فقال: «ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا».
[١] سورة الشورى ٤٢: ٥٢.
[٢] سورة طه ٢٠: ٣٩.
[٣] سورة طه ٢٠: ٤١.
[٤] سورة الأحزاب ٣٣: ٢١.