الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٢ - أسباب التقصير
بالتفصيل وتبهم لديه وتجمل حقيقتها عن أفق إدراكه، تحصل لديه النفرة والجموح عن الإذعان بها، فيبادر إلى الإذعان بنفيها، وكأنّه توصّل إلى أنّ نفيها هو الحقّ، مع أنّ فرض الحال أنّ الأمر مبهم ومجمل عليه، وأنّ إبائه ونفرته منه هو لأجل ذلك، لكن يحصل لديه الخلط بين ذلك وبين أن يحسبه أنّه من قبيل ما يعلم ببطلانه وبعدمه في الواقع، و هذا الخلط في كيفية الاستنتاج يربك على الإنسان طريقة الاستنتاج الصحيحة؛ فإنّ المطلوب منطقياً ومنهجياً في الحالة الأُولى هو التوقّف عن النفي أو الإثبات وعن الإنكار أو القبول تفصيلًا، والقيام بعملية الفحص العلمي، لا المبادرة باستنتاج النفي ومن ثمّ الإنكار والجحود.
و هذا المنهج جاري في كلّ مسألة صعبة ومعقّدة في أي علم من العلوم، كعلم الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وغيرها من العلوم التجريبية أو العلوم الإنسانية أو علوم المعارف الإلهية، كما قد يحصل خلط لدى الإنسان بين حالة الفحص والبحث والتنقيب وحالة التشكيك؛ فإنّ حالة التشكيك في ظاهر صورتها أنّها عملية تسائل وتنقيب، إلّاأنّ في طياتها استنتاج عجول للنفي ومبادرة سريعة للإنكار غير مبنية على أُسس الفحص العلمي، والتمييز بين الحالتين غامضة تدقُّ على أفهام عامّة البشر.
ويذكر القرآن الكريم لنا مثالًا آخر في قوله تعالى: «وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ* وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ