الخرائج و الجرائح - الراوندي، قطب الدين - الصفحة ١٠٢٤
و كما روي أن الله تعالى بفضله أمر نبيا من الأنبياء المتقدمين أن يأخذ طيرا من نحاس أو شبه[١] و يجعله على رأس منارة كانت في تلك الولاية و لم يكن فيها شجر الزيتون و كان أهلها محتاجين إلى دهن الزيت للمأدوم و غيره فإذا كان عند إدراك الزيتون بالشامات خلق الله صوتا في ذلك الطير فيذهب ذلك الصوت في الهواء فيجتمع إلى ذلك ألوف ألوف من أجناسه في منقار كل واحد زيتونة فيطرحها على ذلك الطير فيمتلئ حوالي المنارة من الزيتون إلى رأسها و كان ذلك الطير غير مجوف.
فلا يدعى أنها من الحيل التي يأخذها الناس لصندوق الساعة و نحوها.
و لا يسمع لذلك الطير صوت إلا عند إدراك الزيتون في السنة و كان أهلوها ينتفعون به طول السنة بذلك[٢].
[١] و هي ضرب من النحاس يلقى عليه دواء فيصفر لسان العرب: ١٣/ ٥٠٥.
[٢] قال الفخر الرازيّ في تفسيره: ٣/ ٢١٢:
« و من هذا الباب تركيب صندوق الساعات، و يندرج في هذا الباب علم جر الاثقال و هو أن يجر ثقلا عظيما بآلة خفيفة سهلة، و هذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر، لان لها أسبابا معلومة نفيسة من اطلع عليها قدر عليها، الا أن الاطلاع عليها لما كان عسيرا شديدا لا يصل اليه الا الفرد بعد الفرد لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر.
و من هذا الباب عمل« أرجعيانوس» الموسيقار في هيكل أورشليم العتيق عند تجديده اياه و ذلك أنّه اتفق له أنّه كان مجتازا بفلاة من الأرض فوجد فيها فرخا من فراخ البراصل-:
و البراصل هو طائر عطوف. و كان يصفر صفيرا حزينا بخلاف سائر البراصل و كانت البراصل تجيئه بلطائف الزيتون فتطرحها عنده فيأكل بعضها عند حاجته، و يفضل بعضها عن حاجته، فوقف هذا الموسيقار هناك و تأمل حال ذلك الفرخ، و علم أن في صفيره المخالف لصفير البراصل ضربا من التوجع و الاستعطاف حتّى رقت له الطيور و جاءته بما يأكله.
فتلطف بعمل آلة تشبه الصفارة، اذا استقبل الريح بها أدت ذلك الصفير، و لم يزل يجرب ذلك حتّى وثق بها، و جاءته البراصل بالزيتون كما كانت تجيء الى ذلك الفرخ، لانها-- تظن أن هناك فرخا من جنسها، فلما صح له ما أراد أظهر النسك، و عمد الى هيكل أورشليم و سأل عن الليلة التي دفن فيها« أسطرخس» الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل، فأخبر انه دفن في أول ليلة من آب، فاتخذ صورة من زجاج مجوف على هيئة البرصلة و نصبها فوق ذلك الهيكل، و جعل فوق تلك الصورة قبة، و أمرهم بفتحها في أول آب، و كان يظهر صوت البرصلة بسبب نفوذ الريح في تلك الصورة، و كانت البراصل تجيء بالزيتون حتّى كانت تمتلى تلك القبة كل يوم من ذلك الزيتون، و الناس اعتقدوا أنّه من كرامات ذلك المدفون» و ما بين المعقوفين أثبتناه من البحار.