الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٨٠
الوجوب في الشرع لما ذكرتموه في الإجماع. وذلك محال لما يلزم
عنه من إفحام الرسل وإبطال مقصود البعثة. وذلك أن النبي إذا ادعى الرسالة
وتحدى بالمعجزة ودعا الناس إلى النظر فيها لظهور صدقه فللمدعو أن يقول لا
أنظر في معجزتك إلا أن يكون النظر واجبا علي شرعا. ووجوب النظر شرعا متوقف
على استقرار الشرع وذلك متوقف على وجوب النظر وهو دور ممتنع.
والجواب لا نسلم أن العلم الضروري بما ذكروه عقلا إذ هو دعوى محل
النزاع وإن سلم ذلك لكن بالنسبة إلى من ينتفع بالشكر ويتضرر بعدمهوأما
بالنسبة إلى الله تعالى مع استحالة ذلك في حقه فلا.
قولهم لم قلتم برعاية الفائدة قلنا لما ذكرناه. قولهم هذا منكم لا
يستقيم قلنا إنما ذكرنا ذلك بطريق الإلزام للخصم لكونه قائلا به وبه يبطل
ما ذكروه في إبطال رعاية الفائدة. كيف وقد أمكن أن يقال بوجوب تحصيل الحكمة
لحكمة هي نفسها كما ذكروه من جلب المصلحة ودفع المفسدة عن النفس. ولا يمكن
أن يقال مثل ذلك في فعل الشكر. فإن نفس الفعل ليس هو الحكمة المطلوبة من
إيجاده ولو أمكن ذلك لأمكن أن يقال مثله في جميع الأفعال وهو خلاف الإجماع.
وإذا لم تكن الفائدة المطلوبة من إيجاده بقي التقسيم بحالة.
قولهم ما المانع أن تكون الفائدة هي الأمن على ما ذكروه فهو مبني
على امتناع خلو العاقل عن خطور ما ذكروه من الاحتمال بباله وهو غير مسلم
على ما هو معلوم من أكثر العقلاء شاهدا وبتقدير صحة ذلك فما ذكروه معارض
باحتمال خطور العقاب بباله على شكر الله تعالى وإتعابه لنفسه وتصرفه فيها
مع أنها مملوكة لله تعالى دون إذنه من غير منفعة ترجع إليه ولا إلى الله
تعالى. وليس أحدهما أولى من الآخر بل ربما كان هذا الاحتمال راجحا وذلك من
جهة أنه قد تقرر في العقول أن من أخذ في التقرب والخدمة إلى بعض الملوك
العظماء بتحريك أنملته في كسر بيته وإظهار شكره بين العباد في البلاد على
إعطائه لقمة من الخبز مع استغنائه واستغناء الملك عنها فإنه يعد مستهزئا
بذلك الملك مستحقا للعقاب على صنعه.
ولا يخفى أن شكر الشاكرين بالنسبة إلى جلال الله تعالى دون تحريك الأنملة بالنسبة