الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٨٩
فأما من قال بكونه حجة فقد احتجوا بحجج ضعيفة لا بد من ذكرها والتنبيه على ما فيها ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار.
الحجة الأولى من جهة المعقول وهي ما اعتمد عليها أبو الحسين البصري
وجماعة من المعتزلة وهي أنهم قالوا العقلاء يعلمون وجوب العلم بخبر الواحد
في العقليات ولا يجوز أن يعلموا وجوب ذلك إلا وقد علموا علة وجوبه ولا علة
لذلك سوى أنهم ظنوا بخبر الواحد تفصيل جملة معلومة بالعقل. وبيان ذلك أنه
قد علم بالعقل وجوب التحرز من المضار وحسن اجتلاب المنافع. فإذا ظننا صدق
من أخبرنا بمضرة يلزمنإ؛للَّهللَّه أن لا نشرب الدواء الفلاني وأن لا نفصد
وأن لا نقوم من تحت حائط مستهدم فقد ظننا تفصيلا لما علمناه جملة من وجوب
التحرز عن المضار.
وبيان أن العلة للوجوب ما ذكره دورانها معها وجودا وعدما وذلك بعينه
موجود في خبر الواحد في الشرعيات فوجب العمل به. وذلك لأنا قد علمنا في
الجملة وجوب الانقياد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يخبرنا به من مصالحنا
ودفع المضار عنا فإذا ظننا بخبر الواحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد
دعانا إلى الانقياد له في فعل أخبر أنه مصلحة وخلافه مضرة فقد ظننا تفصيل
ما علمناه في الجملة فوجب العمل به.
ولقائل أن يقول أما أولا فلا نسلم وجوب العمل بخبر الواحد في
العقليات بل غايته إذا ظننا صدقه أن يكون العمل بخبره أولى من تركه. وكون
الفعل أولى من الترك أمر أعم من الواجب لشموله للمندوب فلا يلزم منه
الوجوب. سلمنا أن العمل بخبره واجب في العقليات ولكن لا نسلم أن علة الوجوب
ما ذكرتموه. وما ذكرتموه من الدوران فلا يدل على أن المدار علة للدائر
لجواز أن تكون علة الوجوب غير ما ذكرتموه من ظن تفصيل جملة معلومة بالعقل
وذلك بأن تكون العلة معنى ملازما لما ذكرتموه لا نفس ما ذكرتموه. ولا يلزم
من التلازم بينهما في العقليات التلازم بينهما في الشرعيات بجواز أن يكون
ذلك التلازم في العقليات اتفاقيا. وإن سلمنا أن علة الوجوب ما ذكرتموه لكن
لا يلزم أن يكون ذلك علة في الشرعيات لجواز أن يكون خصوص ما ظن تفصيل جملته
في العقليات داخلا في التعليل وتلك الخصوصية غير محققة في الشرعيات سلمنا
دلالة ما ذكرتموه على أنه علة بجهة عمومه لكن قطعا أو ظنا الأول ممنوع
والثاني مسلم. غير أنه منقوض بخبر الفاسق والصبي إذا غلب على الظن صدقه.
فإن ما