الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٤
إنما يكون هذا تكليفا بما لا يطاق إذ لو كلفهم بفهمها قبل تفهيمهموليس كذلك.
قوله التفهيم إنما يكون بالنقل. لا نسلم. وما المانع أن يكون
تفهيمهم بالتكرير والقرائن المتضافرة مرة بعد مرة كما يفعل الوالدان بالولد
الصغير والأخرس في تعريفه لما في ضميره لغيره بالإشارة.
المسلك الثاني أن هذه الألفاظ قد اشتمل عليها القرآن. فلو كانت
مفيدة لغير مدلولاتها في اللغة لما كانت من لسان أهل اللغة كما لو قال أكرم
العلماء وأراد به الجهال أو الفقراء وذلك لأن كون اللفظ عربيا ليس لذاته
وصورته بل لدلالته على ما وضعه أهل اللغة بإزائه وإلا كانت جميع ألفاظهم
قبل التواضع عليها عربية وهو ممتنع ويلزم من ذلك أن لا يكون القرآن عربيا
وهو على خلاف قوله تعالى ﴿ إنا جعلناه قرآنا عربيا ﴾[١] وقوله تعالى ﴿ بلسان عربي مبين ﴾[٢]وقوله تعالى ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾[٣]
وذلك ممتنع. وهذا المسلك ضعيف أيضا إذ لقائل أن يقول لا أسلم أنه يلزم من
ذلك خروج القرآن عن كونه عربيا فإن قيل لأنه إذا كان مشتملا على ما ليس
بعربي فما بعضه عربي وبعضه غير عربي لا يكون كله عربيا .وفي ذلك مخالفة
ظواهر النصوص المذكورة فيمكن أن يقال لا نسلم دلالة النصوص على كون القرآن
بكليته عربيا لأن القرآن قد يطلق على السورة الواحدة منه بل على الآية
الواحدة كما يطلق على الكل .ولهذا يصح أن يقال للسورة الواحدة هذا قرآن
.والأصل في الإطلاق الحقيقة ولأن القرآن مأخوذ من الجمع ومنه يقال قرأت
الناقة لبنها في ضرعها إذا جمعته وقرأت الماء في الحوض أي جمعته والسورة
الواحدة فيها معنى الجمع لتألفها من حروف وكلمات وآيات فصح إطلاق القرآن
عليها. غايته أنا خالفنا هذا في غير الكتاب العزيز فوجب العمل بمقتضى هذا
الأصل في الكتاب وبعضه ولأنه لو حلف أنه لا يقرأ القرآن فقرأ سورة منه حنث
ولو لم يكن قرآنا لما حنث. وإذا كان كذلك فليس الحمل على الكل أولى من
البعض . وعند ذلك أمكن حمله على البعض الذي ليس فيه غير العربية.
>[١]. ٤٣ الزخرف ٣. [٢]. ٢٦ الشعراء ١٩٥. [٣]. ١٤ إبراهيم ٤.