الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٥٨
والحق في ذلك أن يقال إنما يكون الاحتياط أولى لما ثبت وجوبه
كالصلاة الفائتة من صلوات يوم وليلة أو كان الأصل وجوبه كما في صوم يوم
الثلاثين من رمضان إذا كانت ليلته مغيمة. وأما ما عساه أن يكون واجبا وغير
واجب فلا. وما نحن فيه كذلك حيث لم يتحقق وجوب الفعل ولا الأصل وجوبه.
وعن الشبهة الثانية لا نسلم أن الإتيان بمثل ما يفعله العظيم يكون
تعظيما له وأن تركه يكون إهانة له وحطا من قدره بل ربما كان تعاطي الأدنى
لمساواته الأعلى فعله حطا من منزلته وغضا من منصبه. ولهذا يقبح من العبد
الجلوس على سرير سيده في مرتبته والركوب على مركبه ولو فعل ذلك استحق اللوم
والتوبيخ. ثم لو كانت متابعة النبي في أفعاله موجبة لتعظيمه وترك المتابعة
موجبة لإهانته لوجب متابعته عندما إذا ترك بعض ما تعبدنا به من العبادات
ولم يعلم سبب تركه وهو خلاف الإجماع.
وعن الشبهة الثالثة إنه لا يلزم من كون الفعل بيانا للقول أن يكون
موجبا لما يوجبه القول. فإن الخطاب القولي يستدعي وجوب الجواب ولا كذلك
الفعل.
وعن الشبهة الرابعة أن فعل النبي عليه السلام وإن كان حقا وصوابا
بالنسبة إليه فلا يلزم أن يكون حقا وصوابا بالنسبة إلى أمته. إلا أن يكون
فعله مما يوجب مشاركتهم له في ذلك الفعل. وهو محل النزاع.
وعن الشبهة الخامسة إنه وإن كان فعل الواجب أفضل مما ليس بواجب فلا
يلزم أن يكون كل ما يفعله النبي عليه السلام واجبا. ولهذا فإن فعله
للمندوبات كان أغلب من فعله للواجبات بل فعله للمباحات كان أغلب من فعله
للمندوبات . وعن ذلك فليس حمل فعله على النادر من أفعاله أولى من حمله على
الغالب منها وعن شبه القائلين بالندب.
أما الآية فجوابها مثل ما سبق في الاحتجاج بها على الوجوب .وأما
الشبهة العقلية فلا نسلم أن غالب فعله المندوبات بل المباح. ولا نسلم أن
المندوب داخل في الواجب على ما سبق تقريره.
وأما شبهة الإباحة فنحن قائلون بها في كل فعل لم يظهر من النبي عليه
السلام قصد التقرب به وأما ما ظهر معه قصد التقرب به فيمتنع أن يكون مباحا
بمعنى نفي الحرج