الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٥١
وأجاب أبو هاشم بأن هذا الخبر جار مجرى خبرين أحدهما خبر بصدق
الرسول والآخر خبر بصدق مسيلمة. والخبران لا يوصفان بالصدق ولا بالكذب
فكذلك هاهنا. وإنما الذي يوصف بالصدق والكذب الخبر الواحد من حيث هو خبر
وليس بحق أيضا فإنه إنما ينزل منزلة الخبر من حيث إنه أفاد حكما واحدا
لشخصين وهو غير مانع من وصفه بالصدق والكذب بدليل الكذب في قول القائل كل
موجود حادث وإن كان يفيد حكما واحدا لأشخاص متعددة.
وأجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن قال المراد من قولنا ما دخله الصدق
والكذب أن اللغة لا تحرم أن يقال للمتكلم به صدقت أو كذبت. وهو أيضا غير
صحيح. فإن حاصله يرجع إلى التصديق والتكذيب وهو غير الصدق والكذب في نفس
الخبر.
وأجاب عنه أبو عبد الله البصري بأنه كذب لأنه يفيد إضافة الصدق
إليهما معا وهو الحق. وإن كان كما ذكر غير أنه إذا كان كاذبا فلا يدخله
الصدق وقد قيل الخبر ما يدخله الصدق والكذب والحق في الجواب أن يقال حاصل
هذا وإن كانت صورته صورة خبر واحد يرجع إلى خبرين أحدهما صادق وهو إضافة
الصدق إلى محمد والثاني كاذب وهو إضافته إلى مسيلمة.
وأما الإلزام الثاني فلا يخلو الخبر فيه إما أن يكون مطابقا للمخبر
عنه أو غير مطابق. فإن كان الأول فهو صدق وإن كان الثاني فهو كذب لاستحالة
الجمع بين المتناقضين في السلب أو الإيجاب.
وأما الإشكال الثاني فقد أجاب عنه القاضي عبد الجبار بأن الخبر
معلوم لنا وما ذكرناه لم نقصد به تعريف الخبر بل فصله وتمييزه عن غيره فإذا
عرفنا الصدق والكذب بالخبر فلا يكون دورا وهو غير صحيح لأنه إذا كان تمييز
الخبر عن غيره إنما يكون بالنظر إلى الصدق والكذب. فتمييز الصدق والكذب
بالخبر يوجب توقف كل واحد من الأمرين في تمييزه عن غيره على الآخر وهو عين
الدور بل لو قيل إن الصدق والكذب وإن كان داخلا في حد الخبر ومميزا له فلا
نسلم أن الصدق والكذب مفتقر في معرفته إلى الخبر بل الصدق والكذب معلوم لنا
بالضرورة لكان أولى.