الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١١٧
يؤمن غير من لم يؤمن مع أنهم كانوا مكلفين بتصديقه فيما يخبر به
ومن ضرورة ذلك تكليفهم بأن لا يصدقوه تصديقا له في خبره أنهم لا يؤمنون .
وأيضا فإن الله تعالى كلف أبا لهب بتصديق النبي عليه السلام في أخباره. ومن
أخبار النبي عليه السلام أن أبا لهب لا يصدقه لإخبار الله تعالى لنبيه
بذلك فقد كلفه بتصديقه في إخباره بعدم تصديقه له وفي ذلك تكليفه بتصديقه
وعدم تصديقه وهو تكليف بالجمع بين الضدين .
قلنا أما الإشكال الأول فمندفع .وذلك لأن الجمع المعلوم المتصور
المحكوم بنفيه عن الضدين إنما هو الجمع المعلوم بين المختلفات التي ليست
متضادة ولا يلزم من تصوره منفيا عن الضدين تصوره ثابتا لهما وهو دقيق
فليتأمل وما ذكروه من المعارضة. فلا نسلم وجود الإخبار بعدم الإيمان في
الآيتين مطلقا.
أما في قصة أبي لهب فغاية ما ورد فيه قوله تعالى ﴿ سيصلى نارا ذات لهب ﴾[١] وليس في ذلك ما يدل على الإخبار بعدم تصديقه للنبي مطلقا فإنه لا يمتنع تعذيب المؤمن وبتقدير امتناع ذلك أمكن حمل قوله تعالى ﴿ سيصلى نارا ذات لهب ﴾[٢] على تقدير عدم إيمانهوكذلك التأويل في قوله تعالى ﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ﴾[٣]أي
بتقدير عدم هداية الله تعالى لهم إلى ذلك. وذلك لا يدل على الإخبار بعدم
الإيمان مطلقا وإن سلمنا ذلك ولكن لا نسلم أنهم كلفوا بتصديق النبي عليه
السلام فيما أخبر من عدم تصديقهم بتكذيبهوهذا مما اتفق عليه نفاة التكليف
بالجمع بين الضدين.
وأما الطرف الثاني وهو بيان جواز التكليف بالمستحيل لغيره فقد احتج الأصحاب عليه بالنص والمعقول أما النص فقوله تعالى ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾[٤]سألوا
دفع التكليف بما لا يطاق. ولو كان ذلك ممتنعا لكان مندفعا بنفسه ولم يكن
إلى سؤال دفعه عنهم حاجةفإن قيل إنما يمكن حمل الآية على سؤال دفع مالا
يطاق أن لو كان ذلك ممكنا وإلا لتعذر السؤال بدفع ما لا إمكان لوقوعه كما
ذكرتموه
>[١]. ١١١ المسد ٣. [٢]. ١١١ المسد ٣. [٣]. ١١ هود ٣٦. [٤]. ٢ البقرة ٢٨٦.